الأربعاء، 14 يناير 2009

غزة وحماه... أوجه الشبة والاختلاف

لا أدري ما الذي ذكرني بمأساة حماة هذه الأيام ..

ربما تكون مأساة غزة قد ذكرتني بكل المآسي والانكسارات التي مرت بها الامة فمنها من قرأت عنه كغزوات المغول والتتار  والتي سببت جروحا لا تندمل في كرامة هذه الامة فمن القصص التي رواها المؤرخون ولا تروح من بالي قصة الغزاة الذين جمعوا اهل المدينة العربية في ساحتها بعد الاستيلاء على المدينة ثم يمر الجنود الغزاه بينهم واذا أعجبتهم امرأة أو فتاه سحبوها من بين ذويها واذا اعترض ابوها أو زوجها أو أخوها قتله الجنود تحت سنابك الخيل حتى تستوي جثته بالأرض فيسكت الجميع ويستسلموا لمصيرهم المحتوم .




ومنها ذبح أكثر من سبعين ألفا من المسلمين في بيت المقدس عام 492 هجري وظل الصليبيون محتلين لبيت المقدس بعدها إحدى وتسعين عاماً، هتكوا خلالها الحرمات،  وأزالوا الأمن والأمان                                                                                           
           
ومنها نكبة ضياع فلسطين بتفاصيلها المريرة التي يعلمها الجميع وكيف كان التحرك العشوائي الغير مدروس للعرب مقابل خطط للعدو تم التجهيز لها من عقود من الزمن ... هل سمع العرب بشئ اسمة التخطيط؟ لاأظن ذلك وان كنت مخطئا فليخبرني أحد بملامح هذه الخطة على المدي القريب وعلى المدى البعيد ..

سيقول قائل ان الخطة لابد أن تكون سرية وهذا صحيح الا أن تنفيذها أو البدء بتنفيذها سيستلزم تصرفات وسياسات تنفيذية يراها الجميع ويمكن للبعض وقتها التخمين بملامح الخطة الا ان ما نراه على ارض الواقع يجزم بان خطتنا هي سمك لبن تمر هندي او كما يقول شباب هذه الايام "عك وربك يفك" .

ومنها العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والعبر التي كان يمكن استخلاصها من هذه الحرب ولكن انشغلنا بالطبل والزمر والاحتفال بانتصار لم نحققه بأيدينا وادعينا أن الانتصار تحقق فقط بصمودنا مما زرع في نفوس الجيل وأجيال من بعده اننا يكفينا الصمود بينما عدونا خرج من الحرب بالتجهيز لحرب جديدة ولا يضع في حساباته ان الصمود يعد انتصارا انما الانتصار يكون بتكبيد عدوك بأكبر الخسائر واحتلال أراضيه أو استرداد أراضيك على الأقل.

ومنها هزيمة 1967 التي عشت آثارها ورأيت الانكسارة والصدمة العسكرية والنفسية التي أصيبت بها الامة وكيف تحولت الثقة البلهاء بالنفس الي عدم الثقة  بالنفس بل احتقار لها مما ولد شعور بتضخيم مبالغ به بالعدو وانتقل المزاج العربي فجأة من النقيض للنقيض دون أن نفتح الملفات ونعرف سبب هذه النكبات التي تنهال علينا .

هذه نماذج من نكبات ومصائب وهزائم حلت بالامة الا ان الغريب في الأمر ان ما قفز الى ذهني  أثناء مأساة غزة هي مأساة حماة ...

ربما لأن وضع المدينتين كان متشابهين الى حد ما من حيث الحصار والموت العشوائي ...
وربما لانني عاصرت المأساة عن قرب وقمت بدخول المدينة بعد فك الحصار عنها مباشرة الذي استمر أكثر من شهر ورأيت معظم مبانيها مهدمة ورأيت مساجد ومستشفيات مدمرة ورأيت كنيسة معظم مبانيها محطمه ... ومن الغريب ان ركاب السيارة معي كانوا يوبخونني لأنني أتلفت يمينا ويسارا لرؤية الدمار حيث أن المواطن الصالح وقتها يجب ألا ينظر لهذه المظاهر وعليه أن يتظاهر بأنه ليس هناك شئ غريب !!

قبل دخولي مدينة حماه مررت بمدينة حمص وفوجئت عند دخولي مسجد خالد بن الوليد للصلاة أن المسجد ممتلئ بالأطفال والنساء والكل يبكي والغريب أن لا أحد يجرؤ أن يسأل .. ما بهم ؟
علمت أن هؤلاء من استطاعوا الفرار من مجزرة حماة ولم يجدوا مكانا يحتمون فيه الا بجوار مقام سيف الله المسلول ورأيت بعض الناس يمرون عليهم ويلقون بأموال بسرعة ويخرجون مسرعين من المسجد وكأنهم يرتكبون جرما كبيرا.

مررت بأحد الاصدقاء في حمص فوجدته ملازم الفراش وفي حالة يرثى لها وعلمت منه أنه قام بحملة لجمع تبرعات لمساعدة الهاربين من حماة فتم استدعاءة من السلطات وعذبوه وجروه بسيارة عسكرية على الاسفلت حتى كاد يفقد حياته وهو يؤكد لهم ان ما يقوم به هو مجرد تعاطف مع هؤلاء المساكين وانه لا يعمل لحساب أحد ...

لم تخرج مظاهرات مليونية تندد بقتل الاطفال والنساء ولم يتم شجب أو التنديد بهذا العمل من أي دولة عربية أو أجنبية ... ولم يجتمع مجلس الأمن ولم تهتم أي من وسائل الاعلام العربية والاجنبية بما يحدث (سوى متابعة محدودة من اذاعة لندن) رغم أن من قتلوا في هذه المجزرة يفوق عددهم من قتل في حروب عربية اسرائيلية كثيره!



وفي دمشق لم يكن هناك أي مظاهر خارجيه تبدي اهتماما لما يحدث في حماة الا ان الاحاديث الخاصة للناس والسهرات الخاصة كانوا يتكلمون مع من يثقون فيهم فقط عن حجم المأساة ويتبادلون المعلومات ويحكي كل شخص عما سمعة من صديق او شاهد عيان واقترح احد المثقفين في تلك المجالس الخاصة ان يتم تدوين كل هذه الحقائق في ورق واخفاءة في مكان أمين حتى تستطيع الاجيال القادمة الاطلاع على ما حدث ...
ولكنه لم يذكر لنا الهدف من تعريف الاجيال القادمة بذلك وما المطلوب منهم بالضبط عمله خاصة اذا سألوا عما فعلناه نحن ونحن من عانينا ورأينا بأعيننا مايحدث ؟
الأرقام تتضارب عن الضحايا الا أنها تتراوح بين عشرين ألفا وأربعين ألفا وسبب التفاوت أن هناك ما بين 10-15 ألف شخص مفقود لا أحد يعلم ان كانوا أحياء أم أموات !
أسر وعائلات تم التخلص منها بالكامل فتسأل مثلا عن عائلة فلان فيقال باق منها فلان أو فلان وفلان أو لم يبق منهم أحد حي يرزق !

فما هو وجه الشبة والاختلاف بين غزة وحماة؟
وجه التشابه واضح في وجود ضحايا أبرياء تموت ويمثل بجثثها ولا أحد يهتم لأمرها الا أنه في حماة لم تتمكن الضحايا من التكلم او التعبير عن الالم ولم تصدر بيانات صمود ولم تخرج مظاهرات من اجلها ولم يجتمع مجلس الامن لحل مشكلتها ...
في حماه كان الجاني والمجني عليه يحملون نفس الهوية اما في غزه فالجاني صهيوني والمجني عليه عربي ...
في حماه كان عدد الضحايا يفوق ضحايا غزة بعشرين او ثلاثين او اربعين ضعفا .. ومن بقي حيا حتى الآن ينظر اليه بشك داخل وطنه ولا يستطيع ممارسة حياتة الطبيعية ولو فتح فمه بكلمة عن هذه المأساة فلن تسمع عنه بعد ذلك ..

أعتقد أن ما ذكرني بحماة هذه الأيام هو نفس الشعور بالمرارة ونفس الشعور بالعجز والمهانة

شاهد عيان
14 يناير 2009