الثلاثاء، 25 يناير 2011

عيدي أمين والوجه الآخر

قرأت في الأخبار ان ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي قام بزيارة موقع عملية مطار عنتيبي أثناء زيارته لأوغندا فحرك ذلك الخبر في ذهني شريط ذكريات طويل وبدأت أربط الماضي بما يحدث حاليا.

كنا في السبعينات معجبين برئيس أوغندا عيدي أمين لمواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية حتى قال مرة أنه مستعد لمنازلة زعماء اسرائيل في ساحة الملاكمة وهزيمتهم حيث أنه كان بطلا للملاكمة !!



الحقيقة اننا كنا (وأعتقد الكثير منا لا زال) كنا نقيم زعماء الدول المختلفة بمدى وقوفهم مع القضية العربية فلم يسأل أحد وقتها ولا الآن ما هي علاقة عيدي أمين بشعبه؟ وماذا فعل من أجل التنمية لبلاده؟ وهل صحيح أنه دكتاتور؟ وهل صحيح انه قتل مئات الآلاف من شعبه؟

كل هذه الأسئلة لم تتبادر الى ذهن أحد فكل هذا لا يهم طالما انه مؤيد للعرب ومناصر للقضية الفلسطينية !!
واذا قرأنا شيئا من هذا سارعنا لتكذيبه واتهام الغرب واسرائيل ببث دعايات رخيصة ضد الرجل.
واليوم بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على خلعه من بلاده يجب أن نسأل أنفسنا ماذا استفاد العرب من عيدي أمين؟ وماذا استفادت القضية الفلسطينية؟


ليس طبعا عيدي أمين هو المقصود فالرجل أصبح في رحاب الرحمن منذ عام 2003 الا أن ما يهمنا انه يوجد في عصرنا هذا الكثير من العيادي (جمع عيدي) ولازلنا نهلل لهم ونظنهم السند للقضية الفلسطينية ولكن أيضا لا يهمنا علاقة هؤلاء مع شعوبهم وبلادهم ، ولا يهمنا ان كانوا ديكتاتوريين أم سفاحين المهم أن يكونوا مؤيدون للعرب.

قد يقول قائل وماذا يهمنا نحن من ذلك انما يهمنا من يقف معنا لأن السياسة لا تقوم على معايير أخلاقية ، ولكن معاييرها براجماتية ، وأرد عليه بأن الموضوع ليس أخلاقي ولكنه سياسي بالدرجة الاولى لأن المنطق والتاريخ أخبرونا أن هؤلاء لن يفيدوا القضية بشعرة واحدة والدليل "عيدي أمين".

عيدي أمين لمن لا يعرفه حكم أوغندا بعد انقلاب عسكري من 1971 وحتى 1979 حيث أطاح به انقلاب آخر ...
فر الى ليبيا ثم العراق ثم الى السعودية مع أولاده الثلاثون (وقيل الخمسون) ومات فيه عام 2003 في مدينة جدة السعودية.
وكعادة الشخصيات العامة فقد أختلف عليها الناس فقيل انه شهدت سنوات حكمه عمليات قتل جماعية وابادة قبائل معارضة له وانشاء فرق اعدام مما جعل نظامه واحدا من اعنف الانظمة في تاريخ القارة السوداء.
وقال البعض أن عيدي أمين تدرب في اسرائيل وأن أول بلد زاره بعد انقلابه كان اسرائيل.
وقيل ان كل ذلك دعايات استعمارية روجها الغرب واسرائيل عن الرجل لأنه مسلم ولأنه مؤيد للعرب.
               
أعطى عيدي أمين لنفسه أسماء كثيرة مثل "الحاج الماريشال الدكتور عيدي امين دادا" و "صاحب السيادة فاتح الامبراطورية البريطانية" و "أعظم رئيس دولة في العالم"
ولد عام 1925 وقيل 1924 وخدم في الجيش البريطاني ثم أصبح ضابطا عام 1961 ثم قفز لمنصب قائد الجيش عام 1966
ادعى عيدي أنه ينتسب إلى قائد الجيش المصري في منابع النيل أمين باشا النمساوي ، ولذلك اتخذ لقب "أمين".


نرجع للخبر الذي ذكرني بعيدي أمين وهو خبر زيارة ليبرمان لمطار عنتيبي في أوغندا ...
قام فلسطينيان وألمانيان يوم 27 يونيو 1976 باختطاف طائرة معظم ركابها من الاسرائيليين واليهود  وتوجهوا بها الى مطار عنتيبي في أوغندا وطالبوا باطلاق سراح العشرات من السجناء الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية والا قتلوا كل الرهائن (ركاب الطائرة).

وافقت اسرائيل على التفاوض مع الخاطفين وكذلك تفاوضت مع عيدي أمين الذي تعاون مع الفدائيين (طبقا للرواية الإسرائيلية) الا انها في نفس الوقت أرسلت قوات خاصة الى مطار عنتيبي على بعد 3800 كم من اسرائيل لتقتحم مبنى المطار باستخدام سيارات مرسيدس سوداء من النوع الذي كان يستخدمه عيدي أمين وقتلت 20 جندي أوغندي (وقيل 45)  كانوا يقوموا بحراسة المطار وقتلوا الخاطفين الأربعة وحرروا معظم الرهائن كما تم تدمير 11 طائرة مقاتلة طراز ميج 17 سوفيتية الصنع تابعة للقوات الجوية الاوغندية.


وقتل في العملية الكولونيل يوني نتنياهو شقيق رئيس الحكومة الاسرائيلية الحالي بنيامين نتنياهو  كما أصيب الملازم أول "سورين هيرشكو" إصابة بالغة في العمود الفقري تركته قعيدا.

وعلق رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك اسحق رابين الذي كان في استقبال الرهائن المحررين على العملية بالقول : "لاشك في ان هذه العملية ستخلد في سجلات التاريخ العسكري وفي التقاليد الوطنية الاسرائيلية."

وبعد 30 سنة من العملية عام 2006 علمت اسرائيل أن رئيس بلدية عنتيبي ، قرر هدم محطة الركاب القديمة في المطار التي احتجز فيها الرهائن الإسرائيليين ، ولكن قرار الهدم لم يعجب إسرائيل ، التي تريد كما تقول تخليد ذكرى ضحايا تلك العملية ومن بينهم قائدها نتنياهو الذي قتل فيها ، فتحركت إسرائيل بطريقة معينة لدى أوغندا وفي الاحتفال الذي أعلن فيه رئيس بلدية عنتيبي قرار هدم محطة الركاب القديمة ، تبين انه خضع لضغوط إسرائيلية ، فاعلن أيضا انه لن يتم هدم برج المراقبة ، وسيبقي كجزء من متحف تجري إقامته تخليدا لذكرى تلك العملية ، وظهرت على منصة الاحتفال نيلي بن دور إحدى الناجيات من العملية ، وقالت والدموع تترقرق في عينيها بانه يجب أن يبقى المكان كذكرى ، لتلك المحنة ، وبان بقاءه سيساعد نفسيا اليهود الذين تؤلمهم تلك العملية ، وسيساعدهم على بناء الحياة ، والمحبة الأسرية ، والنجاح المهني !!


جدير بالذكر أن هناك وثيقة بريطانية تعود الى 30 سنة مضت ، كشفت عن وجود تعاون بين الكيان الصهيوني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، في عملية اختطاف الطائرة إلى مطار عنتيبي في أوغندا لمصالح مشتركة بينهما !!!
وتقول الوثيقة السرية البريطانية التي افرج عنها بموجب قانون الافراج عن الوثائق السرية بعد مرور 30 عاما عليها ، ان جهاز المخابرات العامة الاسرائيلي "الشين بيت" وليس المخابرات الخارجية "الموساد" ، وراء عملية اختطاف الطائرة الفرنسية في 27 يونيو (حزيران) من عام 1976 وتحويل خط سيرها الى مطار عنتيبي ، وانها نسقت مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، لتنفيذها.
وقالت الوثيقة ان الهدف من هذه العملية هو نسف وضع منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة الراحل ياسر عرفات في فرنسا ومنع ما كانوا يروه تقاربا متناميا بين المنظمة والامريكيين. ومن هنا جاء التحالف غير المقدس في عملية الاختطاف.
الا أن كلا من الجبهة الشعبية والسلطات الاسرائيلية نفيا هذا الكلام نفيا قاطعا ... !!
فحاول أن تفهم وتعرف أين الحقيقة لأن لا أحد سيخبرك بها !!

ما هي الاستنتجاجات من تلك القصة ؟
لقد استنتجت مايلي:
  1. النظر لما يفعله القادة والزعماء والافراد وعدم النظر مطلقا لما يقولونه.
  2. في أي حادث أو موضوع أو حملة صحفية ابحث دائما عن المستفيد على المدى البعيد.
  3. انظر حولك اليوم وتخيل ما سيكتبه الناس عنه بعد 30 سنة ؟ ماذا سيكون وضع اسرائيل ؟ أقوى أم أضعف؟ ماذا سيقال عن الزعماء العرب المعتدلين منهم والممانعين والمقاومين ؟
  4. لقد فرحنا بتصريحات عيدي أمين لعدة سنوات ولكننا خسرنا أوغندا وخسرنا أفريقيا كلها !!
  5. لن يفيدك من لم يفيد شعبه ولن يبكي على كرامتك من لا يحفظ كرامة شعبه.
  6. العلاقات بين الدول تقوم على المصالح المشتركة وأوراق القوة المتوفرة ولا تقوم على النوايا الطيبة والعلاقات الشخصية والتصريحات العنترية.
  7. كرامة العرب تبدأ من كرامة المواطن العربي.
  8. يجب دراسة وتحليل التاريخ الحديث (آخر 150 سنة) لأن فيه الاجابات وفيه الحلول.

وأخيرا لا تنسى أنه لن يقول لك أحد الحقيقة فمثلا في القصة المذكورة هناك من رأى العملية فدائية بطولية فلسطينية وفي الجانب الآخر يراها الاسرائيليون مفخرة لهم وتكريس لفكرة الذراع الاسرائيلية الطويلة ، ومن ناحية أخرى يتبنى البعض مقولة ان العملية كلها تمت بتنسيق بين الاسرائيليين والفلسطينيين لتحقيق أهادف لكل منهما.

أيضا أثناء البحث عن مصادر تاريخية للحدث فوجئت بالتضارب في كل شئ فمن قال الطائرة اسرائيلية ومن قال الطائرة فرنسية وهناك تضارب كبير في عدد ركاب الطائرة وعدد اليهود عليها وعدد من ماتوا وعدد المهاجمين وعدد الضحايا الاوغنديين ... الخ

بقي أن تسمع هذا الخبر وهو كما يبدو ليس له علاقة بالموضوع الا أنه من صلب الموضوع :
اعلنت أوغندا عن نيتها إنشاء خمسة سدود علي النيل بتمويل اسرائيلي مما قد ينتج عن إنشاء هذه السدود حرمان مصر من 15% من حصتها السنوية من المياه التي تأتيها من هضبة البحيرات الاستوائية .

مجدي العريان
25 يناير 2011
  
من هو عيدي امين



ليست هناك تعليقات: