الاثنين، 9 يناير 2012

سهم الشريك الأعظم

بدأت القصة من حوالي ثلاثين عاما بتعارف تسعة شباب أثناء تأديتهم فترة التجنيد واتفقوا على عمل مشروع مزرعة دواجن صغيرة في قريتهم بعد انتهاء فترة تجنيدهم. خرجوا من الجيش ووجدوا أن مشروعهم سيكلفهم ألفين جنيه بأسعار ذلك الزمان فبدأ كل شاب منهم في محاولة تجميع نصيبه وعند الجلوس لكتابة العقد اتفقوا على تخصيص 10% من الأرباح لانفاقها في وجوه الخير وسموا ذلك سهم الشريك الأعظم . فماذا حدث لهؤلاء الشبان وماذا حدث لقريتهم "تفهنا الأشراف؟





مع الوقت توسع المشروع من مزرعة دواجن الي اثنتين وهكذا حتي بلغت عشر مزارع ومع كل زيادة تزيد الأموال المخصصة للعمل الخيري ، فتم انشاء مصنع للأعلاف وآخر للمركزات ومصنع لعلف الماشية ، وإلي جوار التجارة في الحاصلات الزراعية والفاكهة داخليا وخارجيا ، تمت اقامة مشروعات أخري كبيرة خارج نطاق القرية ، وتحول مشروع الشباب الي استثمارات بالملايين تدر عوائدها علي مسيرة التنمية بالقرية.

كانت تلك نقطة البداية التي قفزت بقرية تفهنا الأشراف من قرية فقيرة مهملة الى قرية غير عادية تضم أربع كليات جامعية ومدينة جامعية ضخمة للطالبات ومدينة جامعية للطلاب وحضانة كبيرة ومعاهد أزهرية ومحطة صرف صحي ومستشفي ومجمع اسلامي للخدمات يضم مشغلا ومكتبا للبريد وقاعة مناسبات الي جانب محطة سكة حديد بالقرية وسنترال للاتصالات ، ومشروعا للصرف الصحي ومشروع التشجير خارج القرية وداخلها وزراعة ألف نخلة بلح زغلول وكلها بالجهود الذاتية.

تعالوا ننظر أولا الى قرية تفهنا الأشراف قبل نهضتها:
كانت القرية ككثير من القرى المصرية الصغيرة الفقيرة تتبع قرية مجاورة أسمها المقدام وكان يسكن القرية وقتها أقل من خمسة آلاف نسمة ٬ تتبع القرية مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية وتبعد عن القاهرة حوالي 90 كيلومترًا وزمامها الزراعي أقل من خمسمائة فدان ولم يكن أحد يسمع بهذه القرية حتى سائقي سيارات الأجرة علي طريق ميت غمر/ الزقازيق لم يعرفوها كانوا لا يتوقفون أمامها ٬ وكأنها ليست علي خريطة الدلتا ٬ فكل ما كان معروفاً عنها أنها "بلد الأنفار" الذين يخرجون مع اشراقة شمس كل صباح للعمل في حقول القري الكبيرة المجاورة سعيا وراء الرزق أما من يعرفون القرية من القرى المجاورة فلم يكونوا يعرفوا عنها سوى أنها مصدر لعمال التراحيل.

كيف كانت البداية
كانت البداية عام 1984 بعد صلاة عصر يوم الجمعة 6 يناير 1984 حدث اجتماع عام لأبناء القرية برئاسة عمدة القرية الحاج محمد فكري القرموطي وركزوا في اجتماعهم على أهمية جمع الزكاة كخطوة أولى لمعالجة الفقر وكان الهدف تطوير اقتصاديات القرية وتنمية مجتمعها حيث قرروا خلاله إنشاء مركز إسلامي يتولى تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه من مشروعات خيرية وذلك من خلال لجان عمل كما يلي:
- لجنة للتعليم مكونة من نظار المدارس بالمعاش لرفع المستوي التعليمي بالقرية.
- ولجنة للزراعة مكونة من المهندسين الزراعين علي المعاش لبحث كيفية زيادة انتاجية المحاصيل المزروعة.
- ولجنة للشباب تختص بشغل أوقات فراغهم.
- ولجنة للصحة وتكون مسئولة عن مشاريع الصحة وزكاة الأطباء بعلاج بعض المرضى مجانا وتوفير العناية الطبية الوقائية لأطفال القرية وضمان تحصينهم ضد الأمراض وإنشاء عيادة لعلاج النساء وأخرى للرجال مجانا وتكوين قوافل طبية لزيارة القرى الأخرى لتقديم الخدمات العلاجية مجانا.           
- ولجنة للمصالحات لها مقر ودفاتر للسعي للصلح في الخلافات المتنوعة داخل القرية ٬ فالخلاف الزراعي يتدخل في حله متخصصون في الزراعة ٬ والخلاف الهندسي يتكفل به مهندسون وكانت نتيجة أعمال لجنة المصالحات أنه لم تصل مشكلة واحدة من القرية الي مركز شرطة ميت غمر طوال الأعوام العشرين الماضية ٬ لدرجة أنه كان بالقرية قبل نجاح التجربة اثنان من المحامين فقام أحدهما بغلق مكتبه وقام الآخر بتحويل نشاطه الي مأذون شرعي وهكذا في باقي أنواع الخلافات.
- ولجنة للزكاة


وحول إستراتيجية القضاء على الفقر بالزكاة يذكر عضو لجنة الزكاة والخدمات الاجتماعية بالمركز الإسلامي طارق القرموطي -موجه لغة عربية- أن لجنة الزكاة بدأت بحصر السكان والفقراء بحيث يتم جمع الزكاة من السكان حسب نشاطهم فالمزارع يعطي من محصوله والتاجر يعطي مما لديه من سلع حتى الأطباء بالقرية اتفقنا مع كل واحد منهم على القيام بمتابعة حالة محددة من مرضى القرية الفقراء كزكاة عن عملهم ٬ وفي إنفاق الزكاة وجدنا أن إعطاء الفقراء أموالا سائلة يترتب عليه إنفاقها في وقت قليل دون القضاء على الفقر فقمنا بتوزيع 40 نعجة (أنثى الأنعام) حاملة على الأرامل ٬ وكان الهدف من كونها حاملًا أن تلد بسرعة.

وفي السنة التالية قمنا بتوزيع 20 عجل جاموس للرجال الفقراء ٬ ومع كل عجل حبل ووتد ونصف إردب ذرة، وكنا قد اشترينا أرضًا لبناء المنشآت التعليمية عليها، وكانت خالية فخصصنا لكل فرد من أصحاب العجول ستة قراريط يزرعها برسيما ثم اتجهنا إلى الشباب العاطل بتقديم الآلات الخاصة بالحرف سواء للنجارة أم الميكانيكا أم الحدادة ٬ ومع أصحاب الحالات المرضية قمنا بعمل أكشاك أو تقديم عربات مجهزة ببضاعتها والحصول على شهادة صحية لهم ٬ وتتم المتابعة عن بعد لهؤلاء بتوصية تجار الجملة بتسهيل إمدادهم بالسلع وضمانهم عند التعثر .

وبالنسبة للفتيات اللاتي لم يكملن تعليمهن قمنا - والكلام للقرموطي- بعقد دورات تدريب لهن على ماكينات الخياطة ٬ وشمل التدريب الخياطة إلى جانب يوم لتعلم إدارة المنزل وإعداد الحلويات ومحو الأمية وبعد الدورة تأخذ الفتاة ماكينة خياطة ومزورة وأربع قطع قماش وأربع بكرات خيط مجانا لتبدأ عملها وشق طريقها مودعة الفقر لتصبح إضافة اقتصادية جديدة في المجتمع ٬ وتم تخريج ثلاث دفعات ونظرًا لقيامنا بتوزيع زي الحضانة وزي المعاهد الأزهرية ٬ فإننا نقوم بتشغيل هؤلاء في بيوتهن حيث نقوم سنويًّا بتوزيع ثلاث آلاف مريلة بداخل القرية وبالقرى المجاورة.


ومع وجود ثلاث كليات جامعية بالقرية فقد قمنا بحصر عدد الطلاب المغتربين المقيمين بالقرية ووجدناهم 630 طالبًا وطالبة وخصص لكل منهم كارت يحصل به بالمجان من منفذ معروف بكلية الشريعة على حصص شهرية من الزيت والسكر والسمن والخبز ٬ وفي خطتنا القادمة عمل تدريب على الحرف لخريجي الكليات النظرية من أبناء القرية لخلق فرص عمل لهم ٬ وإبعادهم عن شبح البطالة ٬ وقد تم الاتفاق مع مشروع شروق على عمل دورات في السباكة والنجارة للشباب.

إنهم هنا يقيمون مشروعاتهم من خلال العمل الجماعي لاصحاب المهن المختلفة ٬ حيث يأتي كل منهم للعمل بنفسه لتقليل النفقات والقضاء علي البطالة ٬ حتي الطلاب من أبناء القرية ومن خارجها فانهم يجدون عملا في مزارع الدواجن والمصانع المقامة بها ٬ أما أصحاب المنازل فقد تمكنوا من الحصول علي دخول اضافية من خلال تأجير بعض طوابقها للطلاب المغتربين وأصبح من المعتاد أن تشاهد طلبة من محافظات أخري أو من دول إفريقية وأسيوية يسيرون في شوارع القرية.

وبمرور السنين زاد عدد المشاريع وتم إنشاء مصنع للأعلاف وآخر للمركزات ومصنع لعلف الماشية مع الاتجار في الحاصلات الزراعية وتصدير الموالح والبطاطس والبصل لعدة بلدان خارج مصر حيث أصبح النشاط التجاري من الأنشطة الرئيسية في مجال عملنا ٬ كما تمت إقامة مزارع أخرى في التل الكبير حتى أصبح حجم الاستثمارات حاليًا 35 مليون جنيه.

التعليم في القرية
ومسيرة القرية مع التعليم بدأت بحضانة تسع 350 طفلا ٬ ثم معهد أزهري ابتدائي ثم اعدادي للبنين ثم اعدادي للبنات ثم معهد ثانوي أزهري للبنين ثم آخر للبنات وفي بداية التسعينيات وافق شيخ الأزهر الامام الراحل جاد الحق علي جاد الحق إنشاء كلية الشريعة الاسلامية ، تم انجازها في 13 شهراً فقط وبدأت الدراسة بها في عام 1992 ثم تم انشاء كلية التجارة بنات ثم كلية التربية ثم كلية للدراسات الانسانية والعربية.

القرية التي لم يكن بها حتى بداية السبعينات شخص واحد في أي مرحلة تعليمية ، وكانت معروفة بتصدير عمال التراحيل للمناطق المحيطة ، ولم يكن فيها خط تليفون واحد ٬ أصبحت قبلة لعشرات الآف من طلبة الأزهر المصريين والمئات من الأفارقة والأسيويين الذين يأتون إليها يوميا أو يسكنون في منازلها ومدنها الجامعية للدراسة في كليات الشريعة والدراسات الاسلامية والتربية والتجارة ، ثم تم انشاء مدينة جامعية للبنات تسع 600 طالبة بدأت العمل في عام 1995، ثم مدينة جامعية للطلاب تسع 1000 طالب وكلها أنشأها أبناء القرية بالجهود الذاتية.

تقول د. تفيدة عبد الحميد عميدة كلية التجارة بنات الأزهر بتفهنا الأشراف إن مستوى الدراسة هنا ممتاز للغاية حيث إن القرية منعزلة عن مواطن اللهو من دور السينما والمقاهي وصالات الألعاب المختلفة ٬ الأمر الذي يجعل الطلاب يفرون إلى كتبهم ومذاكرتهم أكثر من أي شيء آخر وينعكس ذلك على النتيجة النهائية في نهاية العام ، كما أن المدينة الجامعية كسكن مجاني للطالبات بجوار الكلية تختار على أساس التقدير ٬ الأمر الذي جعل المنافسة تشتعل بين الطالبات وبالتالي النتيجة الممتازة التي تفوق نتيجة الكليات الأخرى وتسبب ذلك في زيادة الإقبال من الطلاب وأولياء الأمور على التقدم بالأوراق لكليات الأزهر بتفهنا إلا أن التنسيق يكون مرتفعًا للغاية ٬ فنجد كلية تربية على سبيل المثال أعلى في تنسيقها من كليات القاهرة الأم بأكثر من 100 درجة ٬ وكذلك الشريعة والتجارة بنات.

ويستكمل المهندس صلاح عطية - رئيس مجلس إدارة المركز الإسلامي والجمعية المشرفة على المشروعات:
من حصيلة أرباح المشاريع الخيرية قمنا بإنشاء حضانة كبيرة بها 350 طفلًا يدرسون بالمجان ، ثم معهد أزهري ابتدائي مكونًا من 53 فصلًا ثم معهد أزهري إعدادي للبنين وآخر إعدادي للبنات وتلاهما معهد أزهري ثانوي للطلاب وآخر ثانوي للطالبات ، وأنشأنا مجمعًا للخدمات بالقرية من أربعة طوابق يضم سنترالا ومشغلاً لتعليم الفتيات ومكتبة عامة ومقرًا للجنة المصالحات ، كما استطعنا بفضل الله وتوفيقه إقامة محطة للسكك الحديدية تتوقف عندها القطارات المتحركة ما بين طنطا والزقازيق ، وشراء سيارات خاصة تتبع المركز الإسلامي وتقوم هذه السيارات بجلب طلاب الحضانة من القرى المجاورة مجانًا ويتم منح اشتراكات مجانية لطلاب المعاهد الأزهرية بالسكة الحديد بالإضافة إلى توزيع الزي الأزهري مجانا لطلاب وطالبات المعاهد الأزهرية ، وقبل شهر رمضان بيومين تقوم السيارات بتوزيع عبوات الدقيق والسمن على كل بيوت القرية البالغ عددها حوالي ألف منزل حتى منزل العمدة يأخذ نصيبه حتى لا ينظر أحد إلي الأمر على أنه صدقة وكل ذلك بفضل ريع المشاريع الموقوفة لله.

وتم حصر الأرامل والمطلقات لتدبير وسيلة كسب لكل منهن من خلال إعطائها شاه وكمية من الأعلاف ٬ كذلك تدريب الفتيات والسيدات علي الخياطة وإعطاؤهن ماكينات خياطة ٬ وتكليفهن بتفصيل مرايل الحضانة التي يتم توزيعها بالمجان ٬ فضمنت السيدات تسويق الانتاج مما رفع من المستوي المعيشي لهن.

كما تم حصر أصحاب الحرف بحيث تم شراء أدوات الحرفة لكل منهم ٬ حتي لو كان طبيبا يتم شراء أدوات الطب له ٬ أما غير أصحاب الحرف فقد تم الاتفاق مع متاجر جملة علي إمدادهم بالبضائع لعمل منافذ بيع للسلع. وتسبب وجود أربع كليات جامعية بالقرية في حدوث رواج تجاري وحركة نشيطة للنقل والمواصلات ٬ كما قامت غالبية البيوت ببناء حجرات إضافية لتأجيرها للطلاب ٬ والنتيجة أنه لم يعد بالقرية عاطل ولا فقير.

أقام الأهالي هذه المشروعات بالجهود الذاتية في إطار سلسلة من المشروعات السنوية التي لم تتوقف بل تتجه للتزايد بعد أن قرروا الدخول في مشروعين كبيرين كل عام بعد أن كان المعدل مشروعًا واحدًا سنويًّا ٬ واستطاعوا القضاء على الفقر وحولوا الأرامل والمطلقات إلى طاقة منتجة وتم تشغيل العاطلين من الحرفيين وخريجي الجامعات والنتيجة أنهم لا يجدون مستحقًا لزكاة المال في قريتهم مما دفعهم إلي إنفاق زكاة أموالهم بالقرى المجاورة.

من المعتاد لأهل القرية في أول جمعة من رمضان كل عام أن يقيموا إفطارًا جماعيًّا يحضره كل أبناء القرية المقيمين وغير المقيمين ٬ ويجهز كل منزل صينية طعام لا يجلس أصحابها عليها ، كما أنه عقب صلاتي عيد الفطر وعيد الأضحى يقيمون احتفالا تتعدد فيه المسابقات الشعبية التي يشارك فيها الكبار مستخدمين حيوانات الحقل بقصد إدخال البهجة على الجميع لكي ينسى الرجل أرملته المتوفاة وينسى الأب ابنه الغائب في العراق إلي غير ذلك من مثيرات الأحزان ٬ ويقومون بتجهيز الفتيات الفقيرات للزواج من الإبرة للبوتوجاز وحتى أدق لوازم البيت وأغلبها مصنوع في تفهنا الأشراف ، وبصفة خاصة في حالات زواج اليتيمات خارج القرية يتحرك أتوبيسان من القرية إلى مكان العرس لينزل العمدة أولًا ومن خلفه كبار رجال القرية مرتدين أفخم ما لديهم كي يشعر أهل الزوج أن العروس لها عزوة ، والموكب نفسه يتحرك للقرى المجاورة لأداء واجب العزاء مشيرا إلى أن القرية كلها أسرة واحدة في الأفراح والأحزان.

والحقيقة أن المهندس صلاح عطية والعمدة محمد فكري القرموطي وصلاح منصور وأحمد شاكر وآخرين حفروا أسماءهم في سجل قريتهم الخالد كرواد للتطوير والتنمية .

ولكن الصورة ليست وردية دائما
الصورة بالطبع ليست وردية على الدوام فهناك بعض المشاكل التي نشأت من تحول نمط القرية من مكان هادئ يعرف كل سكانها بعضهم البعض الى مكان يعج بالغرباء منهم المقيمون ومنهم الزائرين لذا تجد من أهل القرية من يرفض وجود مثل هؤلاء الغرباء وأيضا هناك من الطلاب من لم يحترموا تقاليد وعادات أهل القرية لذا تجد بين الحين والحين مشكلة هنا أو مشكلة هناك.

فأين القنوات الفضائية التي تبث ليلا ونهارا وأين برامج الكلام في كلام وأين الصحف والمجلات لتلقي ضوءا على هذه التجربة لعلنا نتعلم منها شيئا؟

اعداد: مجدي العريان
القاهرة 9 يناير 2012


تَفَهْنَا الأشراف نقطة ضوء في مصر             
كيف تحولت "قرية الأنفار" لنموذج يحتذى به في التنمية
http://www.egypt4all.org/2016/01/Salah-Attia_57.html


ليست هناك تعليقات: