الأحد، 11 يناير 2015

التابعي - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق

القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، هذا التابعي الجليل أبوه محمد بن أبي بكر الصديق - أي جده سيدنا الصديق - وأمه بنت كسرى يزدجر آخر الملوك ، وعمته عائشة أم المؤمنين ، وهو فوق ذلك قد توج هامته بتاج التقى والعلم ،  أحد فقهاء المدينة السبعة ، وأفضل أهل زمانه علماً ، وأحدهم ذهناً، وأشدهم ورعاً ، والد هذا التابعي قد مات بمصر وكان والياً عليها قال : فجاءت عمتي عائشة رضي الله عنها فحملتنا من منزل عمي ، وكانت تحنو علينا حنو المرضعات على الفطين ، فتغسل أجسادنا ، وتمشط شعرنا ، وتلبسنا الأبيض الناصع من اللباس ، وكانت لا تفتأ تحضنا على الخير ، وتمرسنا بفعله ، وتنهانا عن الشر ، وتحملنا على تركه ، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله ، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله ، وكانت تزيدنا براً واتحافاً في العيدين ، فإذا كانت عشية عرفة حلقت لي شعري ، وغسلتني أنا وأختي ، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديد ، وبعثت بنا إلى المسجد لنؤدي صلاة العيد فإذا عُدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحت بين أيدينا.  وفي ذات يوم ألبستنا ثياباً بيضاً ثم أجلستني على إحدى ركبتيها وأجلست أختي على ركبتها الأخرى ، وكانت قد دعت عمي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، فلما دخل عليها حيّته ثم تكلمت فحمدت الله عز وجل ، وأثنت عليه بما هو أهله ، فما رأيت متكلماً قط من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها أفصح منها لساناً ، ولا أعذب بياناً ، ثم قالت : أي أخي إني لم أزل أراك معرضاً عني منذ أخذت هذين الصبيين منك وضممتهما إليّ ، يبدو أن أخاها عبد الرحمن كان يتمنى أن يضم إليه هذين الطفلين فجاءت أخته عائشة رضي الله عنها وضمتهما إليها ، يبدو أن أخاها عبد الرحمن كان واجداً عليها قالت : والله ما فعلت ذلك تطاولاً عليك ، ولا سوء ظن بك ، ولا اتهام لك بالتقصير في حقهما ، ولكنك رجل ذو نساء - لك زوجات - وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما ، يحتاجون إلى تنظيف وإلى تغسيل وإلى إطعام فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرنه فلا يطبن بهما نفساً - ووجدت أني أحق منهن بالقيام على أمرهما في هذا الحال ، وهاهما الآن قد شبا وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما فخذهما وضمهما إليك ، بعد أن أصبحا قادرين على خدمة أنفسهما الآن خذهما وضمهما إليك .

 فأخذنا عمي عبد الرحمن وضمنا إلى بيته ، بيد أن الغلام البكري ظل معلق القلب ببيت عمته أم المؤمنين رضوان الله عليها ، فعلى أرض بيتها المضمخة بطيوب النبوة درج ، وفي أكناف صاحبته تربى وترعرع ، ومن حنانها المتدفق نهل وارتوى ، فصار يوزع وقته بين بيتها وبيت عمه ، وقد ظلت ذكرياته في منزل عمته الشذية الندية ، فقد قال يوماً لعمته عائشة : يا أم - يا أمي - اكشفي لي عن قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبري صاحبيه فإني أريد أن أراهم ، وكانت القبور الثلاث مازالت داخل بيتها - أي الآن في الحرم النبوي الشريف مكان القبور الثلاث ؛ قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، وقبر سيدنا الصديق ، وقبر سيدنا عمر في غرفة السيدة عائشة ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة معتدلة ، وقد مهدت بصغار الحصى الحمر مما كان في باحة المسجد ، فقلت : أين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأشارت بيدها وقالت : هذا، ثم تحدرت على خديها دمعتان كبيرتان فبادرت فمسحتهما حتى لا أراهم ، وكان قبر النبي عليه الصلاة والسلام مقدماً على قبري صاحبيه فقلت : وأين قبر أبو بكر جدي ؟ قالت : ها هو ذا وكان مدفوناً عند رأس النبي عليه الصلاة والسلام ، فقلت : وهذا قبر عمر وكان رأس عمر رضوان الله عليه عند خصر جدي قريباً من رجل النبي عليه الصلاة والسلام .

 ولما شبّ هذا الفتى حفظ كتاب الله عز وجل ، وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء له أن يأخذ ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف ، وانقطع على حلقات العلم التي كانت تنتثر في كل ركن من أركانه ، فروى عن أبي هريرة ، وعن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن خباب ، ورافع بن خديج ، وأسلم مولى عمر بن الخطاب وغيرهم وغيرهم ، قال : حتى بدا إماماً مجتهداً وأصبح من أعلم أهل زمانه بالسنة ، وكان الرجل لا يعد رجلاً عندهم حتى يتقن السنة ، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح القاسم بن محمد وابن خالته سالم بن عبد الله بن عمر إمامي المدينة الموثوقين ، وقد بلغ من مكانتهما في النفوس أن خلفاء بني أمية لا يقطعون أمراً ذا بال في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما .

 من ذلك أن الوليد بن عبد الملك قد عقد العزم على توسعة الحرم النبوي الشريف ولم يكن في وسعه أن يحقق هذه الأمنية إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع ، وأزال بيوت زوجات النبي صلوات الله وسلامه عليه ، وهي أمور تشق على الناس ، ولا تطيب نفوسهم بها ، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة يقول : لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصبح مئتي ذراع في مئتي ذراع فاهدم جدرانه الأربعة وأدخل فيه حجر زوجات النبي صلى الله الله عليه وسلم ، واشتر من نواحيه من البيوت ، وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب ومنزلتهم في قلوب الناس ، فإذا أبى عليك أهل المدينة فاستعن بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأشركهما معك في الأمر ، وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء ، وإن لك في هذا سلف صدق ، فدعا عمر بن عبد العزيز القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وطائفةً من وجوه أهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين فسروا بما عزم عليه ، وهبوا لإنفاذه ، فلما رأى الناس عالمي المدينة وإماميها الكبيرين يباشران هدم المسجد بأيديهما قاموا معهما قوم رجل واحد ونفذوا ما جاء في كتاب أمير المؤمنين .

كان القاسم بن محمد أشد الناس تأسياً بجده الصديق حتى قال الناس : لم يلد أبو بكر ولداً أشبه به من هذا الفتى فلقد أشبهه في كرم شمائله ، و نبل خصاله ، و صلابة إيمانه ، و شدة ورعه ، و سماحة نفسه ، وسخاء يده ، ولقد أؤثر عنه كثير من الأقوال والأفعال تشهد له بهذا .

لقد رُئي ذات مرةٍ بمنى وأهله الأنصار من حجاج بيت الله يطبقون عليه من كل جانب وهم يسألونه، فكان يجيبهم بما يعلم ويقول لهم فيما لا يعلمه : لا أعلم ، لا أدري ، فأخذهم منه العجب فقال لهم : والله لا نعلم كل ما تسألون عنه ، ولو علمناه ما كتمناه ، ولا يحل لنا أن نكتمه ، ولأن يعيش الرجل جاهلاً بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم .

في ذات مرة عهد إليه في قسم الصدقات بين مستحقيها فاجتهد في ذلك ما وسعه الاجتهاد ، وأعطى كل ذي حق حقه ، غير أن أحدهم لم يرضَ عن نصيبه الذي أعطي له فأتاه إلى المسجد وهو قائم يصلي ، وجعل يتكلم في أمر الصدقة ، فقال ابنه : والله إنك لتتكلم في رجل ما نال من صدقتكم درهماً ولا دانقاً - الدانق سدس الدرهم - ولا أصاب منها تمرةً واحدة ، فأوجز القاسم صلاته والتفت إلى ابنه وقال : يا بني لا تتكلم بعد اليوم فيما لا تعلم ، فقال الناس : صدق ابنه ولكن أراد أن يربيه ، وأن يحفظ لسانه من التوسع بالكلام .

 طال عمر القاسم حتى نيف على الثانية والسبعين ، ولكن كف بصره وهو شيخ كبير ، وفي آخر سنة من حياته قصد مكة يريد الحج وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقين - الموت - فلما أحس بالأجل التفت إلى ابنه وقال : إذا أنا مت فكفني بثيابي التي كنت أصلي بها ، قميصي وإزاري وردائي فذلك كان كفن جدك أبا بكر ، ثم سوِّ عليّ لحدي ، والحق بأهلك ، وإياكم أن تقفوا على قبري وتقولوا : كان وكان فما كنت شيئاً .

ذلكم كان القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه .