الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

حرب أكتوبر المعجزة والغيبوبة

لن يفهم ما حدث في حرب أكتوبر عام 1973 من لم يفهم ماذا حدث في العشرة سنوات التي سبقت تلك الحرب.

كذلك لن يستطيع أن يفسر ما حدث في حرب أكتوبر من لا يعرف طبائع النفوس وطبائع الأمم وماذا يدعوها للتغيير وللنهضة ، لذلك من يدرس التاريخ ويتأمل تطور الأمم سيفهم ما حدث قبل الحرب وبعد الحرب وما يحدث حتى الآن وسيدرك لماذا أستطاع المصريون تحقيق انجاز غير مسبوق لهم في التاريخ الحديث وغير ملحوق حتى تاريخه.

اذن لنبدأ القصة من أولها ، علما بأنها مجرد انطباعات شخصية لما عشته ورأيته بنفسي.

 
                 
لنبدأ القصة من أولها في أوائل الستينات حيث كنت تلميذا في المدرسة الابتدائية حيث كان يتم تلقيني بمبادئ الثورة التي أنقذت الشعب المصري من ظلمات الماضي البغيض .... ولم يكن هناك أي تغذية بديلة أو مخالفة لتلك الأفكار لأن الكبار كانوا اما يرددون نفس الأفكار أو أنهم صامتون لا يجرأون على البوح بأفكارهم أو التعبير عن اعتراضهم.

لا أنسى اليوم الذي اشتريت فيه جريدة الأهرام لأول مرة في حياتي وكنت في الصف الرابع الابتدائي وبدأت في قراءة العناوين وأتأمل في اعجاب صور عبد الناصر التي كانت تملأ الصحيفة.

لقد كانت عمليات التغذية مستمرة 24 ساعة ففي المدرسة ندرس الانجازات وفي الصحف والمجلات نرى الانجازات ونفتح التليفزيون فنتابع الانجازات ويدعم كل ذلك أغاني وطنية تهز المشاعر وتثير الهمم.

لم يكن هناك وقتها أي وسيلة أخرى للحصول على معلومات مخالفة أو حقائق متعارضة مع ما يبث ليلا نهارا فحتى الاذاعات الأجنبية كأذاعة لندن كان يتم التشويش عليها وتُسمع بصعوبة شديدة من خلال بعض أجهزة الراديو الغالية الثمن.

ولا أنسى اليوم الذي سمعت فيه والدي رحمه الله يتكلم مع بعض أصدقائه بهمس في النادي ، ولم ينتبهوا لوجودي وكانوا ينتقدون فيه عبد الناصر فأصابني غضب شديد ، ووقفت على الكرسي وأخذت اخطب فيهم بكلمات من عينة "أعداء الثورة" و "فلول الرجعية" ، ولم يوقفني الا والدي يسحبني من يدي بعيدا ثم يوصلني للمنزل دون أن يفتح الموضوع مرة أخرى.
وبعد ان كبرت ، ظل والدي يذكّرني بهذه القصة كلما أختلفت معه على موضوع أو في رأي ، فأضطر لتذكيره بأنني كنت في الصف الرابع الابتدائي وقتها ، وأذكّره بأنه لم يعترض على كلامي وقتها.

وبمرور الوقت أستطعت متابعة الأخبار بشكل أكبر وأقرأ عن الانجازات المهولة والبطولات الغير مسبوقة واستطاعت الآلة الاعلامية الدعائية أن ترسخ في ذهني الكثير من الأفكار ومن أهمها:
-  اننا نعيش في أقوى دولة واهم دولة
-  المرحلة التي سبقت 1952 ظلام في ظلام
-  اسرائيل ما هي الا عبارة عن مجموعة من العصابات الصهيونية وموضوع القضاء عليها مسألة وقت فقط.

أعتقد أن ذلك يبدو غريبا أن يهتم طفل بهذا السن بالشئون العامة ويتأثر بها هذا التأثر ، الا أن الكثير من أطفال هذه المرحلة كانوا مهتمون بالشئون العامة ، كما أن طبيعتي التي ولدت بها هي أخذ الأمور كلها بجدية وذلك ما سبب لي أكبر المشاكل في حياتي.
           
تابعت الأخبار المبهرة بدءا من العروض العسكرية التي تستعرض الصواريخ التي يمكن أن تدمر تل أبيب ومرورا بالطائرات التي تصنعها "الجمهورية العربية المتحدة" ووصولا لتصنيع أول سفينة فضائية مصرية !!! نعم ... سفينة فضاء (أنظر عدد المصور الصادر بتاريخ 16 إبريل 1965)







أما الحالة الاقتصادية فالنجاح الذي نحققه كل يوم والمصانع الجديدة ستجعلنا من الدول العظمى وسننتج احتياجاتنا من الابرة الى الصاروخ. أيضا الاكتشافات البترولية الجديدة ستجعلنا أغني من كل الدول البترولية الأخرى.


استمر هذا الوضع حتى بدأت طبول الحرب تدق فقد تم اغلاق خليج العقبة امام السفن الاسرائيلية (وكانت هذه أول مرة يعرف فيها الشعب المصري انه تم الاتفاق على السماح للسفن الاسرائيلية بالابحار في خليج العقبة كشرط لانسحاب اسرائيل من سيناء عام 1956) وبذلك اعتبرت اسرائيل أن ذلك مخالف لما تم الاتفاق عليه سابقا وبالتالي فهو اعلان للحرب.

عموما كان الناس سعداء بقرب نشوب الحرب التي انتظروها كثيرا لتحرير فلسطين والقاء اليهود في البحر كما وُعدوا ، وكان الحماس يدب في النفوس وتملأهم الثقة التامة بالنصر الساحق.



وفي صباح 5 يونيه 1967 تم الاعلان عن قيام الحرب وبدأت الأخبار السارة تتوالى باسقاط الطائرات وتدمير الدبابات وجيوشنا التي تزحف نحو تل ابيب وشعرت وقتها وشعر معي الكثير انه جاء الوقت الذي نستطيع أن نقطف ثمار العمل والجهد وتتحقق الأمنيات التي رددناها في الصحف والمجلات والتليفزيون والأغاني الوطنية.







لم يقطع هذا الشعور بالزهو الا خروج عبد الناصر ببيان التنحي الشهير وقال أنه مستعد لتحمل المسئولية (لم يقل انه مسئول) ويالطبع غضب الناس ورفضوا التنحي وثاروا وطالبوا بالاستمرار بالقتال وحتى النصر.

من عاش تلك الفترة يدرك أنه حتى هذه اللحظة لم يكن أحد في مصر يعرف ما حدث بالضبط وما هي حجم الكارثة التي أصابتنا فرغم ان الدعاية الاعلامية بدأت تخفض صوتها قليلا كما بدأت تتكلم عن تدخل أمريكي وبريطاني لصالح العدو الا أن أشد المتشائمين لم يكن ليتخيل حجم الكارثة.

مما قيل لنا "توقعنا الهجوم من الشرق ولكنه جاء من الغرب" وقيل أيضا "كفاءة جيوشنا شهد بها العدو قبل الصديق" ، كما قبل "نستطيع في مدة قصيرة ان نجتاز موقفنا الصلب". وكل ذلك كما نعلم الآن كان دعاية ساذجة لا تستند لأي حقائق.

خطاب التنحي


خرج الناس رافضين للتنحي والاستسلام بناء على المعطيات التي وصلتهم وكانت فرحتهم كبيرة برجوع الرئيس عن التنحي والعودة لكرسي الحكم الذي لم يغادره.

شاهدت جلسة مجلس الشعب في التليفزيون التي أعلن فيها أنور السادات الذي كان رئيسا للمجلس وقتها ، أعلن عدول الرئيس عن التنحي فقام السادة النواب بالرقص والطبل والاحتفال علما بان جنودنا كانوا لايزالون تائهون في سيناء يحاولون الهروب من ضربات العدو الصهيوني.

شاهدت بعد سنوات مقالة لجريدة بريطانية نشرت صورا للنواب الراقصين وامامها صورة لموشي ديان يبكي أمام حائط المبكى وعلقت الصحيفة "المنتصرون يبكون والمهزمون يرقصون".


وبدأت مرحلة الغليان حيث كان الجميع مستاء لما حدث والكثير غير مصدقين وأصبح تعديل هذا الوضع مطلبا حتميا في ضمير كل من عرفتهم.

بدأ الجيش في اعادة ترتيب اموره حسب هذه المعطيات وتم ادخال كل خريجي الجامعات للخدمة العسكرية دون خروج أو تسريح أي دفعات وبدأ العمل الجاد لازالة آثار العدوان .... وهنا مربط الفرس!

لا يبدع الانسان ولا يعمل بجدية شديدة ولا يتطور ويحقق الطفرات الا تحت ضغط أو تحت الشعور بالخطر وكذلك الأمم ... ومن لا يصدق ذلك فليقرأ التاريخ وليقرأ في علم النفس.

ويحضرني هنا مقولة للشيخ الشعراوي رحمه الله حيث قال:
"ولعل الحضارة الإنسانية لا ترتقي بسرعة قدر ارتقائها وقت الحروب ، ففيها يحاول كل خصم أن يتغلب على خصمه وتجند كل القوى للتفوق علميا على الدول الأخرى. هذه الارتقاءات والاختراعات قد تكون للتدمير والقتل ولكن بعد أن تنتهي الحرب توجه إلى ارتقاءات الإنسان في الأرض ، فتفتيت الذرة وصلوا إليه في الحروب ، والصواريخ التي وصل الإنسان بها إلى القمر كانت نتيجة حرب ٬ والارتقاءات العلمية المختلفة التي تمت في أمريكا والاتحاد السوفيتي كان أساسها عداء كل معسكر للآخر."

وهذا الكلام ينم عن معرفة بالطبيعة اليشرية ومفتاح تقدم الأمم فالعمل تحت ضغط والشعور بالخطر يحقق المعجزات.
ومن لا يصدق ذلك فليقرأ قصة نزول الانسان على القمر وكيف استطاعت أمريكا تحقيق ذلك في 10 سنوات.

كانت مصر تحت ضغط شديد ، قيادة وشعبا ، وكان لابد من حل للخروج من هذا المأزق فكان الاعداد الجيد والتخطيط الجيد وابتكار وسائل جديدة والعمل الجماعي وكل ذلك لم يعتاد عليه المصريون منذ زمن بعيد لذلك كانت المعجزة.

خلال الثلاثة سنوات التي تلت الهزيمة حدثت بعض الاشياء التي عبرت عما يعانيه الشعب فقد أهتم الناس كثيرا بمحاكمات بعض العسكريين المسئولين عن الهزيمة ، وثاروا لما صدرت الأحكام الهزيلة التي لم تعكس حجم المأساة.




ثم مات عبد الناصر عام 1970 وحزن الناس عليه كثيرا وصدم الكثير حيث كانوا لا يتصورون فرضية موت الزعيم ، وخرج في جنازته الملايين.




ازداد الأمر صعوبة مع السادات فالشعب يزداد غضبه بمرور الوقت ويطالب بالحرب وازالة المهانة التي علقت به.

بدأ السادات بالتخلص من رجال عبد الناصر وسمى هذه العملية ثورة التصحيح او ثورة مايو وبالتالي أخرج كل أعداء عبد الناصر وسمح لهم بالكتابة وكان الهدف واضح وهو كشف عيوب فترة حكم عبد الناصر (رغم أنه كان جزءا من هذه الفترة) وبالتالي ايجاد شرعية جديدة له باعتباره المصلح ومانح الحريات.
وظهرت كتب كثيرة ومذكرات من ظلمهم نظام عبد الناصر والتهم الناس هذه الكتب التهاما فكانت أكثر فترة راجت فيها مبيعات الكتب والصحف والمجلات وظن البعض وقتها أنها الحرية وأنه التنوير ولكن لم يع أحد أن ذلك كان آخر ما يدور بخلد من خطط لذلك.

حاول السادات ايجاد حل سلمي مع اسرائيل ولكنه فوجئ بأن التفاوض يعني في السياسة الدولية أن لديك أوراقا تفاوض عليها فان لم تكن لك هذه الأوراق فلن يهتم بك أحد ولن يعيرك أحد أي اهتمام.

استمرت فترة الغليان الشعبي وكنت وقتها قد دخلت الجامعة وعاصرت مظاهرات الطلبة ومجلات الحائط وكان الموضوع الواحد المسيطر على فكر الناس هو "متى سنحارب".

من عاش هذه الفترة يستطيع أن يدرك أنه لا السادات ولا أي رئيس آخر كان يمكن أن يستمر في حكم مصر دون أن يحارب اسرائيل. اذن فالحرب كانت حتمية وحقيقة لا يمكن تفاديها أو حتى تأجيلها.

وقامت الحرب ....
كان شعور الناس بالفرحة والفخر لا يوصف وكنا نتابع البيانات العسكرية بكل اهتمام وثبت للناس أننا بالفعل عبرنا القنال واننا نحارب في سيناء وكان هذا انجازا كبيرا وحلما انتظرناه طويلا.


وبغض النظر عن تفاصيل الحرب وقصة الثغرة فانه لا يمكن انكار حقيقة الانجاز الذي حققه المصريون بعد مرحلة استرخاء ونوم طويلة واعتقد أن الاسباب أصبحت مفهومة الآن.

الا انني لا استطيع استيعاب مرحلة الاسترخاء والنوم ثانية التي فات فيها المصريون بعد حرب أكتوبر ، فقد أكتفوا بالأفراح والاحتفالات وصرح القادة بأن اكتوبر هي آخر الحروب وجاء وقت الرخاء والسلام ، فدخلنا في النوم العميق مرة أخرى أو قل الغيبوبة الطويلة هذه المرة.

مجدي العريان
6 أكتوبر 2015





حرب اكتوبر 1973 - الجزء الاول ( وثائقي ) الجزيرة



حرب اكتوبر 73 انتاج الجزيرة

                            
حلقة بلا حدود كاملة - الفريق الشاذلي



شاهد على العصر- سعد الدين الشاذلي - الجزء الأول





ليست هناك تعليقات: