الثلاثاء، 12 يناير 2016

تَفَهْنَا الأشراف نقطة ضوء في مصر

كيف تحولت "قرية الأنفار" لنموذج يحتذى به في التنمية         
قرأت خبر وفاة المهندس صلاح عطية يوم الاثنين 12 يناير 2016 (وهو من مواليد 1945) بعد اصابته يمرض في الكبد وهو في عمر السبعين عاما ، فتذكرت المقال الذي كتبته في يناير 2012 عن تجربة "تَفَهْنَا الأشراف" التي كان أحد روّادها "صلاح عطية" رحمة الله عليه وكان اسم المقال "سهم الشريك الأعظم".

تمنيت وقتها أن يركّز الاعلام على مثل هذا النموذج الفريد لامكانية دراسته والعمل على تكراره لأنه بلا مبالغة يعدّ نقطة الضوء الوحيدة التي أعطتني أملا في امكانية تغيير مجتماعاتنا للأفضل.



الحقيقة ان الاعلام لم يعبأ بهذا ولم يقم أحد بدراسة التجربة لمعرفة نتائجها والمشاكل التي اعترضتها وعندما مات "صلاح عطية" قامت بعض وسائل الاعلام على استحياء بتغطية جنازته التي مشى فيها الآلاف مما لفت الأنظار اليها ولم يعرف الكثير من الناس "صلاح عطية" إلا بعد وفاته.

وبدلا من انتهاز الفرصة لدراسة التجربة قام الاعلام والمروجون للقصة بتحويلها لمجرد قصة بطولية للمرحوم ، حتى أن أحدى الصحف عنونت القصة ب "أسطورة صلاح عطية" فربطت النجاح بشخص واحد (وقد مات) لترسخ في أذهان الناس فكرة انتظار المخلّص لحل المشاكل ، وتحولت التجربة على يد الاعلام الى أنها مجرد "رجل طيب محسن خدم قريته" وقد توفاه الله.
وكل ما أعجبهم في التجربة أنه رجل أعمال أنفق على قريته في صمت وأنه كان لا يحب الظهور في الاعلام وأنه لم يكن له أي ميول سياسية.

عندما حصلت ابنتي على الثانوية الأزهرية أطلعت على أوراق مكتب التنسيق فلاحظت وجود كليات في قرية صغيرة تسمى "تَفَهْنَا الأشراف" فأدهشني وجود كليات جامعية في قرية صغيرة ، وما أدهشني أكثر أن هذه الكليات تحتاج الحصول على مجموع أكبر من مثيلاتها في المدن الكبرى ، ذلك كان بداية اثارة فضولي لمعرفة سر هذه القرية.

قرية مصرية كأي قرية في الوجه البحري أو القبلي كانت عام 1984 تعاني من ظلمات الفقر والجهل والمرض وكانت تسمى "قرية الأنفار" حيث يخرج رجالها مع اشراقة شمس كل صباح للعمل في حقول القري الكبيرة المجاورة سعيا وراء الرزق‏ ، فاذا بهذه القرية تتحول في سنوات قليلة لقرية مكتفيه ذاتيا ولا تجد فيها شخصا واحدا مستحقا للزكاة.
أليس في ذلك دعوة لنا لدراسة التجربة؟


انها قرية تَفَهْنَا الأشراف بمركز ميت غمر التابعة لمحافظة الدقهلية وهي تقع على بعد 8 كلم من مدينة ميت غمر وعلى بعد 17 كلم من مدينة الزقازيق ، يبلغ عدد سكانها‏ خمسة آلاف نسمة ، وذات زمام زراعي أقل من خمسمائة فدان.
كانت عبارة عن قرية صغيرة جدًّا تابعة لقرية مجاورة اسمها المقدام حتى أن السيارات كانت تقف عند المقدام ولا يعرف السائق شيئا  اسمه تفهنا الأشراف.

كيف كانت البداية ومتى؟

كانت البداية الحقيقية في عام 1974 حين تم الاتفاق على انشاء شركة "سهم الشريك الأعظم" وتفاصيلها في المقال المنشور في يناير 2012.

أما بداية تنمية وتطوير القرية فكان يوم الجمعة 6 يناير 1984 وبعد صلاة العصر حيث اجتمع أهل القرية برئاسة العمدة الحاج محمد فكري القرموطي حيث أعلن المهندس صلاح عطية  والمهندس صلاح خضر عن فكرة إنشاء مركز إسلامي متكامل بالبلدة يشارك في إنشائه كل أبناء قرية تفهنا الأشراف.

كان هناك رؤية جيدة لمستقبل القرية وسبل تنميتها ضمن امكانياتها وثقافتها وكان هناك اخلاص ورغبة في النجاح وكان هناك معرفة ووعي بمفاتيح النجاح ومفاتيح التنمية فكان التفكير في :
1.        ايجاد ادارة جيدة
2.        ايجاد وسائل التمويل
3.        النهوض بالتعليم
4.        الاهتمام بالصحة
5.        النهوض باقتصاد القرية
6.        اقامة العدل بين أفراد القرية
7.        اهتمام خاص بالشباب

1 – الادارة الجيدة المنتخبة
ولايجاد الادارة الجيدة تم في هذا الاجتماع اختيار 20 شخصا من القرية تحت ادارة العمدة.

2- وسائل التمويل
ولايجاد وسائل التمويل تم الاعتماد على فريضة الزكاة وكل تعاليم الإسلام المتعلقة بالتكافل والإنفاق ، وتم انشاء بيت مال المسلمين لجمع الزكاة والصدقات من أهل القرية.

3- النهوض بالتعليم
أيقنت الادارة الجديدة للقرية ان الاهتمام بالتعليم هو كلمة السر في نجاح أي عملية تنمية فأنشأت "لجنة التعليم" برئاسة اقدم ناظر مدرسة ومكونة من نظار المدارس بالمعاش لرفع المستوي التعليمي بالقرية والقيام بمحو الامية وانشاء فصول التقوية لمحاربة الدروس الخصوصية.

4- الاهتمام بالصحة
تم انشاء لجنة للصحة وتكون مسئولة عن مشاريع الصحة وزكاة الأطباء بعلاج بعض المرضى مجانا وتوفير العناية الطبية الوقائية لأطفال القرية وضمان تحصينهم ضد الأمراض وإنشاء عيادة لعلاج النساء وأخرى للرجال مجانا وتكوين قوافل طبية لزيارة القرى الأخرى لتقديم الخدمات العلاجية مجانا.

5- النهوض باقتصاد القرية
تم انشاء لجنة للزراعة مكونة من المهندسين الزراعين علي المعاش لبحث كيفية زيادة انتاجية المحاصيل المزروعة والاشراف على المشاريع الجديدة.

6- اقامة العدل بين أفراد القرية
تم انشاء "لجنة للمصالحات" الهدف منها إحداث سلام اجتماعي بين الأهالي ، واللجنة لها مقر ودفاتر للسعي للصلح في الخلافات المتنوعة داخل القرية ٬ فعند حدوث خلاف بين شخصين فعليهما أن يتقدما ببلاغ لرئيس اللجنة الذي يستعين بأعضاء متخصصين حسب نوعية المشكلة فالخلاف الزراعي يتدخل في حله متخصصون في الزراعة ٬ والخلاف الهندسي يتكفل به مهندسون وكانت نتيجة أعمال لجنة المصالحات أنه لم تصل مشكلة واحدة من القرية الي مركز شرطة ميت غمر طوال الأعوام العشرين الماضية ٬ لدرجة أنه كان بالقرية قبل نجاح التجربة اثنان من المحامين فقام أحدهما بغلق مكتبه وقام الآخر بتحويل نشاطه الي مأذون شرعي وهكذا في باقي أنواع الخلافات.

7- الاهتمام بالشباب
تم انشاء "لجنة للشباب" تختص بشغل أوقات فراغهم وتصريف طاقات الشباب في الأنشطة الرياضية والاجتماعية‏.‏

كما نرى فان المجتمعون قد وضعوا ايديهم على مفاتيح التنمية وهذا مايمكن تطبيقه على كل قرى مصر فكانت النتائج المبهرة في سنوات قليلة :
  • حضانة بها‏ 350‏ طفلًا يدرسون بالمجان
  • معهد أزهري ابتدائي مكونًا من ‏53‏ فصلًا
  • معهد أزهري إعدادي للبنين وآخر إعدادي للبنات
  • معهد ثانوي أزهري للبنين
  • معهد ثانوي أزهري للبنات
  • فرع لجامعة الأزهر للبنين
  • فرع لجامعة الأزهر للبنات
  • مدينتين جامعيتين للطلاب والطالبات المغتربين والمغتربات
  • مستشفى طبي متكامل
  • مجمع إسلامي للخدمات
  • محطة للسكة الحديد
  • رصف جميع طرق القرية
  • تشجير القرية
  • سنترال آلي بالقرية
  • مصنع أعلاف كبير
  • مجزر آلي للدواجن
  • مطابخ لتقديم وجبات غذائية للطلاب
  • مشاغل لعمل أزياء الطلاب
  • ورش نجارة لعمل أثاثات الإنشاءات
  • بيت مال للمسلمين يخدم القرية والقرى المجاورة
  • وسائل مواصلات لنقل الطلاب من القرى الأخرى إلى المعاهد الدينية بالقرية مجانا
  • مشغل لتعليم الفتيات
  • مكتبة عامة
  • مشروع الصرف الصحي
  • مشروع التشجير خارج القرية وداخلها
  • زراعة ألف نخلة بلح زغلول‏
  • قامت غالبية البيوت ببناء حجرات إضافية لتأجيرها للطلاب.
  • رواج تجاري بالقرية وحركة نشيطة للنقل والمواصلات.
  • عدم وجود بطالة فحتى الطلاب يعملون في مزارع الدواجن ومصنع الأعلاف وغيرها في فترة الصيف.
  • مستوى الدراسة ممتاز حيث إن القرية منعزلة عن مواطن اللهو من دور السينما والمقاهي وصالات الألعاب المختلفة وانعكس ذلك على نتائج الامتحانات.
  • لا يجدون مستحقًا لزكاة المال في قريتهم مما دفعهم إلي إنفاق زكاة أموالهم بالقرى المجاورة.
  • عمل دورات محو الأمية
  • عمل دورات تعليم الخياطة للنساء
  • عمل دورات في السباكة والنجارة‏ للشباب
  • أصبحت القرية قبلة للآف من طلبة الأزهر المصريين والمئات من الأفارقة والأسيويين الذين يأتون إليها يوميا أو يسكنون في منازلها ومدنها الجامعية للدراسة.
  • الكليات الجامعية ساهمت في حدوث انتعاش اقتصادي بالقري المجاورة مثل كفر المقدام وكفر الوزير وميت القرشي

أما "بيت مال المسلمين" فقد استلهمته ادارة القرية مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما استقر بالمدينة المنورة فكان أول ما فعله بعد بناء المسجد هو انشاء بيت مال المسلمين لجمع الزكاة والصدقات فايجاد مصادر التمويل من أهم نقاط التنمية والتطوير وهاهي نماذج مما يأتي الناس به الى بيت المال:
  • جميع أنواع الحبوب يأتي بها المزارع من أرضه إلى بيت المال أو تذهب اللجنة المختصة إليه لإحضار حق الله تعالى في زكاة الزروع.
  • تأتي الفلاحة بوعاء مملوء باللبن زكاة عن ماشيتها التي تدر اللبن وتضع هذا اللبن في المكان المخصص له.
  • تأتي السيدة التي تزوجت من مدة بفستان زفافها وتضعه في بيت المال لكي ترتديه يتيمة أو مسكينة من بنات القرية أو القرى المجاورة في ليلة زفافها .
  • يدخل الرجل من القرية على بيت المال ومعه كفن لستر الميت الفقير ويسلمه للمسئول في بيت المال.
  • ويتعهد الموظف بإخراج جزء من مرتبه لبيت المال كل شهر مدى الحياة.
  • وهناك من يدخل إلى بيت المال ومعه عجلة بقر أو جاموس أو نعجة أو عنزة ويسلمها لبيت المال فيأخذها فقير يربيها ويتحول إلى منتج مع الأيام .
  • وهناك الطبيب الذي يتعهد بأن يداوي المرضى الفقراء بالمجان لصالح بيت المال.
  • وغير ذلك من وسائل الانفاق العديدة.     

                           
الصورة بالطبع ليست وردية على الدوام فهناك بعض المشاكل التي نشأت من تحول نمط القرية من مكان هادئ يعرف كل سكانها بعضهم البعض الى مكان يعج بالغرباء منهم المقيمون ومنهم الزائرين لذا تجد من أهل القرية من يرفض وجود مثل هؤلاء الغرباء وأيضا هناك من الطلاب من لم يحترموا تقاليد وعادات أهل القرية لذا تجد بين الحين والحين مشكلة هنا أو مشكلة هناك. وذلك شئ طبيعي يجب دراسته أيضا ودراسة أسبابه وسبل تلافي تلك المشاكل وغيرها.

ان عظمة هذه التجربة تأتي من كونها نابعة من واقع المجتمع وبعدها عن بيروقراطية الدولة وكذلك بعدها عن الأفكار المعدة مسبقاً من واقع الفكر الغربي فما حدث في قرية تَفَهْنَا الأشراف يعد معجزة يجب الوقوف عندها ملياً لدراستها.

مجدي العريان
12 يناير 2016



فيلم تفهنا الأشراف / إخراج داوود حسن




ليست هناك تعليقات: