الأربعاء، 2 مارس 2016

لقاء الشعراوي والنابلسي -2-

كان اللقاء الثاني في شهر ديسمبر 1996 في منزل فضيلة الشيخ الشعراوي بالهرم (انظر المقدمة وتفاصيل اللقاء الأول).

يقول الشيخ محمد راتب النابلسي : في اللقاء الثاني طرحت على فضيلته أسئلة ، يغلب عليها الطابع الفقهي ، ولكن من النوع المشكل ، الذي يثير كثيراً من الجدل ، في أرجاء العالم الإسلامي ، فباستثناء سؤال الصحوة الإسلامية ، والسلبيات التي لابستها ، و أسباب تعثرها ؛ وجهت إليه أسئلة عن المذاهب الفقهية ، وهل الأصل فيها التعدد أم التوحد ، وإذا كان الأصل هو التعدد ، فهل هي أربعة مذاهب حصرا ، لا يجوز أن نزيد عليها ؟ وسألته عن الطلاق السنّي والطلاق البدعي ، وهل الطلاق البدعي ( كالثلاث في واحدة ) يقع أو لا يقع ؟ وسألته عن حكم النظر إلى المرأة في الشاشة الصغيرة ، وهل هي حقيقة أو خيال ، وسألته عن الحكم الشرعي في نقل الأعضاء والأجهزة ، من إنسان صحيح إلى إنسان مريض ، بيعاً أو تبرعاً ، وسألته عن الحكم الشرعي في جراحة التجميل ، وسألته عن جواز استخدام علم هندسة الوراثة في عملية الإنجاب ، وسألته عن جواز جعل ثمن للزمن في بيع التقسيط ، وفي موضوع الزكاة ، سألته عن حكم إسقاط دين الفقير من الزكاة ، وعن مشروعية إنفاق جزء من أموال الزكاة في إنشاء أبنية يعود نفعها للفقراء ، وسألته عن الحكم الشرعي في إيداع الأموال في البنوك الربوية ، وسألته عن الحكم الشرعي في هجرة المسلم طواعية إلى بلاد الغرب ، والإقامة فيها بشكل دائم هو وأهله ، ثم سألته عن ضرورة إنشاء المجامع الفقهية ، من أجل أن تلبي حاجة المسلمين اليومية ، لمعرفة حكم الشرع الإسلامي الحنيف ، في المستجدات الاجتماعية ، والاقتصادية ، والعلمية ، وفي ختام اللقاء ، سألته عن بعض أعماله غير الدعوية.
وها هو نص الحوار :

الشيخ محمد راتب النابلسي : هذه الصحوة الإسلامية التي يشهدها العالم الإسلامي لها سلبيّات ولها إيجابيّات .. فما سلبيّاتها في نظركم ؟

سلبيّاتها أن لكل إنسان صوت خاص .. وكنا نحب أن يكون الصوت مجتمعاً.

الشيخ محمد راتب النابلسي : إذاً متفرقة ؟

 ثانياً: من الصعب تحديد النوايا في اليقظة ، لأننا تعرّضنا إلى يقظات إسلامية كانت لها نوايا مستورة غير الواقع ولذلك منيت بالفشل ، لأن كلّ عمل لا يكون في أحضان الناس لا ينفع .. لأن ربنا أعطانا قضيّة قرآنيّة ماضية وثابتة وهو سبحانه الذي يحفظها وليس نحن فقد قال تعالى:  ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [ سورة الصافات: 173]
 فساعة تجد حركة نغلب فيها فافهم أن شرط الجنديّة لله قد اختل . لأن ربنا قال لرسله :
﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [ سورة الصافات: 171-173]

في عهد رسول الله .. ورسول الله بين صحابته ولم يمض على موقعة بدر سنة وقد انتصرنا فيها انتصاراً عظيماً تأتي موقعة أحد ولا ننتصر فيها .. لماذا ؟ لأننا لو انتصرنا مع مخالفة الرماة لأمر رسول الله لهان أمر رسول الله عندهم .. إنّها سنّة الله ولن تجد لسنّته تبديلاً .. ورسول الله بينهم .. ومع ذلك لم يؤذ رسول الله في معركةٍ إلا في هذه المعركة.

إذاً كلّ حركة تراها قد فشلت ، فافهم أنّ شرط الجنديّة لله قد اختل ..لأنّه لا يمكن أن يدخل أحد بمعيّة ربّه وهو سبحانه مؤيِّده ويغلبه أحد ... عندما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الغار ، قال له سيدنّا أبو بكر ببشريّته المجرَّدة : "لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا" أليس كذلك؟ .. فماذ قال له الرسول ؟

الشيخ محمد راتب النابلسي : ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟

إذاً فهم في معيَّة الله .

الشيخ محمد راتب النابلسي : نعم


الشيخ محمد راتب النابلسي
والله سبحانه بمعيّته لا تدركه الأبصار .. فهم لا يمكن أن تدركهم الأبصار .. إذاً نحن نخاف أن تكون الحركات ، أي أنّ الموجة الدينيّة مركوبة لغرض من الأغراض ، ولذلك إنّ كلّ نصيحتي أن الإنسان له ولاية على نفسه ، وله ولاية على أهله ، وله ولاية على الواثقين به والمحترمين له ، فليؤدّ مطلوب الله في نفسه وفي أهله وفيمن يثق فيه، إذاً الشيء في معزف عن التوعية كلها ولو الدنيا أصبحت مشتعلة لا يأتي له منها ما يضره ، فالله يكون بعونه .. فالرسول يقول :
(( لا يضرُّكم من ضلّ إذ اهتديتم )) [ الترمذي عن أبي بكر]

ومن هنا ننصح عندما يأتي لنا إنسان نقول له ما نريد ، أظنّ أنّكم قد رأيتم كلمتنا عندما جاء الرئيس حسني مبارك من أديس أبابا ؟

 الشيخ محمد راتب النابلسي : نعم .. قلتم له : أنتم قدرنا .

 هذا هو .

الشيخ محمد راتب النابلسي : فإمّا أن نقدر عليكم وإمّا أن تقدروا علينا .

 ونحن منتظرون بعد هذه الحادثة أن نرى وثبة.

الشيخ محمد راتب النابلسي : والله لقد ذكرت كلمتكم هذه في الشّام آلاف المرّات.

أريد أن أقول إننا يجب أن نجنِّب أنفسنا في الخلاف فيما بيننا ، لأنّ الخلاف فيما بيننا يسبب لنا سوء الظنّ بنا جميعاً .. يقول لك : لو كان الأمر واحداً ...

الشيخ محمد راتب النابلسي : نسقط جميعاً من نظر النّاس.

نعم .. نعم هذه هي المسألة كلّها.
الحركات المنفصلة عن الحكم تدمر كل شيء :
 ثانياً : إنني أخشى من الحركات التي تكون منفصلة عن الحكم في كلِّ البلاد .. وهذه تجعل الحكم يتشكك في كل تصرُّف يحدث ، إنما أنا إن وجد من كان قدره أن يكون حاكماً عليّ ، فيجب عليّ أن أُحنن قلبه عليّ ، وأؤمّنه على كرسيه ، وأقول له : لا مأرب لنا في كرسيك ، فقط احكمنا بالإسلام مثلما أعلنتها : أنا أريد أن أحكم بالإسلام .. احكمونا بالإسلام أنا لم أقل شيئاً .. وهنا لا يستطع أحد أن يقول لي شيئاً ، فبذلك يعافيني الله ، ولا يقدر أحد أن يكسر قلمي ، أو أن يكبِّل لساني ، ولا أن يفعل لي شيئاً.

إنّما ما يحدث الآن أوّل شيء يثور الناس على الحكومات ، هذا ما يجعل نيَّتهم أن يركبوا حكماً ؛ لا أن تكون نيتهم أن يركبوا إسلاماً.

أمّا أنا فأقول له : ظِل كما أنت حاكماً عليّ .. واحكمنا بالإسلام ، وأؤمّنه على كرسيه ، فقد رأينا الثورات التي قامت بعد ثورة سنة 1952 في أيّام جمال عبد الناصر كلها عملت ما عملته ، وثارت ولم تهدأ.. وشرطُ الثائر أن يثور ليهدم الفساد ، ثمَّ يهدأ ليبني الأمجاد ..إنّما يظلّ ثائراً والنّاس الذين يعاديهم يظلّون أعداءه .. لا ، أنت أيُّها الثائر تقول : إقطاع .. تقول : أُناس مستغلّون ، أخذت منهم كلَّ شيء وبعد ذلك تقول لهم : اسمعوا ، الآن: أنتم ومن أعطيناهم منكم على هذه وعلى هذه ، أي على قدر بعض .. وهذا كلّ شيء.. أنت منعت الثورة المضادَّة بذلك .. إنما تظلّ عداوة دائمة لهم فهذه مسألة ليست ..

الشيخ محمد راتب النابلسي : مسألة غير معقولة .

حكومتنا تحافظ على السلام الآن .. حاكم السّوء إمّا يحكم وإمّا يموت ، لا أحد يترك الحكم ويتنازل عنه هكذا إلا حاكم واحد ، فقد سمع نصيحتي وهو الرئيس سوار الذهب فقط ، قلت له : يا شيخ أنت وفِّقتَ في أن تثور ، فليوفِّقَك الله إلى أن تهدأ.. وأتيت فوفُّقت ، وقلت له كذلك : ووفَّقَك الله حين تَدَع. ( وفَّقَك الله حين أتيت ووفَّقَك الله حين تَدَع ) ، وعندما عمل بالنصيحة فهذا هو الآن قاعد مبسوط .. إنَّما في هذا الوقت كلّ ثائر .. كلّ حكومة ثوريَّة.. تجد الثائر خائفاً إن لم يكن حاكماً فسوف يقتل .. يُقتل لأنَّه فاهم أنَّه عمل أشياءً كثيرةً للناس ، فلن يصدَّقوا فيه الذي حدث ..

فأنا أتمنّى من رجال الحركة الإسلامية أن يأخذوا هذا المبدأ .. فأنا لماذا تركوني أتكلَّم ؟ ليس لي غرض ولا قدر .. احكمني أنت وذلني ؛ وضع رقبتك على رأسي ، وليس رجلك على رأسي ..لا هذا الذي على رأسي وأنا لا أستنكف هذا.. هذه هي المسألة.

الشيخ محمد راتب النابلسي : من دعا إلى الله ولم يوفَّق وعزى هذا الأمر إلى الله فهو يكذِّب قول الله تعالى.

لا يمكن .. انظر : ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [ سورة الصافات الآية : 173]
إن انهزمت أعرف أنّه قد اختلَّ شرط الجنديَّة عندي .. فربنا هو الذي وضع الحجَّة عليك .. هذه حجَّة على الله وهو الذي يحفظها وليس أنا ؛ هل يوجد أحد يحفظ الكمبياله التي ضدَّه ؟ هو سبحانه الذي حفظها لأنَّه فاهم أنَّ واقع الحياة لا يكذِّبها ، ولو أن القائمين بالأمر الذين في نيتهم غير الله أن يركبوا حكماً نجحوا - أي نجحوا في السيطرة على الحكم - ، فسيتشكَّكون في الله.

الشيخ محمد راتب النابلسي : هل يصحّ أن نقول : إنّ هناك دعوة الى الذات ودعوة الى الله ؟

 نعم .

الشيخ محمد راتب النابلسي : الدعوة إلى الذات مغلَّفة بدعوة إلى الله ؛ من لوازمها الابتداع والتنافس وعدم الإخلاص.

قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾[ سورة الأنعام : 159 ]

الشيخ محمد راتب النابلسي : كانوا شيعاً .

لأنَّه لو أنا مبتدع فسوف أختلف معك فيها .
 أنا يجب أن أُوفَّق ، لو وجد طفل صغير وأردتُ أن أحمل هذه الطاولة الموجودة أمامي ، وحاول بأصبعه معاونتي إن شاء الله يحمل نصف كيلو تراب .. أيضاً كثَّر الله خيرِه لأنه عاونني.

الشيخ محمد راتب النابلسي : هل هناك من دليل على أن المذاهب الفقهيَّة أربعة حصراً ، لن نقبل اجتهاداً خامساً ؟

انظر .. الحقُّ سبحانه وتعالى حين خلق الإنسان مختاراً في أن يؤمن به أو لا يؤمن لم يقيِّده في كلِّ تصرُّفاته بعبوديَّةٍ ثابتة ، يجب أن يبقي له أيضاً الاختيار .. عدم الاختيار في شيء والاختيار شيء ، لكيلا يأخذ منه كل شيء ، فعدم الاختيار في أمرٍ صريحٍ من الله يكون قد أدَّى العبوديَّة وأدَّى الإيمان وبعد ذلك فيما تبقّى يترك له الاختيار .. اختيار في أي شيء ؟ في الأمر الذي لم يرد فيه نص صريح ومحتمل فيه الاجتهاد .. ومثال ذلك : الرسول حينما خرج من غزوة الأحزاب ، الله لا يريد أن تنتهي الغزوة بدون أن يؤدِّب اليهود الذين أحضروا المشركين لعند النبي أليس كذلك ؟

فالنبيّ جمع الناس بعدما راحوا وفهموا أن الحرب قد انتهت قال : " من كان يؤمن بالله فلا يصلِّينّ العصر إلا في بني قُرَيظة " .. وجِد نَص ، فلمّا جاؤوا ليذهبوا إلى بني قُرَيظة الشمس أوشكت أن تغيب ، فماذا قال بعضهم ؟ قالوا : الشمس ستغيب فيجب أن نصلِّي .. والبعض الآخر من الصحابة قالوا : لا .. النبيَّ قال : الصلاة ببني قُرَيظة ، الله!! أحدهم أخذ الشمس وأحدهم أخذ قول الرسول ، فاختلفوا ... فأناس صلّوا وأناس لم يصلّوا ، فلمّا ذهبوا إلى رسول الله أقرَّ هذا وأقرَّ هذا ، لماذا ؟

الملاحظ أن كلَّ حدث يحتاج إلى زمانٍ ومكانٍ ، كل حدث .. فالذي نظر إلى الشمس نظر إلى عنصر الزمان ، والذي نظر إلى الجهة الثانية - مكان بني قريظة - نظر إلى عنصر المكان ، والنبيّ أقرَّ هذا وأقرَّ هذا مادام الدليل يحتمل.

نأخذ آية الوضوء ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [ سورة المائدة: 6]

فاغسلوا وجوهكم لم يحدد الله تعالى ، لأنَّ الوجه لا خلاف في تحديده فهو : من المنبت إلى الذقن ، لكن عندما جاء لليدين قال تعالى : إلى المرافق فحدّدها ولم يتركها دون تحديد ، لأن هذه يطلق عليها يد ، وهذه يطلق عليها يد ، وهو سبحانه يريدها على شكل حاسم الاشتراك ، فَحَسَم الاشتراك وقال تعالى : إلى المرافق ، وعندما جاء وقال تعالى : وامسحوا برؤوسكم لم يقل : امسحوا برؤوسكم مثل اغسلوا وجوهكم ، ولا امسحوا بعض رؤوسكم .. لا قال هذه ولا هذه وجاء بالباء .. فالباء هذه كيف تستعمل في اللُّغة ؟ مرة للاستعانة ، ومرة للإلصاق ، ومرة للتبعيض ، فمن أخذ هذه أخذها ، والذي أخذ هذه أخذها ، ومن أخذ هذه أخذها ، وهذا هو الاجتهاد ، فقد سأل سيِّدنا علي سؤالاً أشمل من هذا قال : يا رسول الله ترد علينا أمور لا نجد فيها نصاً من كتابٍ ولا نصاً من سنةٍ ... ؟ فقال له الرسول : اجمعوا لها العباد واجعلوها شورى ولا يقضى فيها برأيٍ واحد.

ولذلك أنا في هذا الوقت أقول : إنَّ الأشياء التي فيها خلاف كالميراث والرضاع والطلاق بالثلاث لا يجب أن يفتي فيها شخص واحد ، بل لا بدَّ من لجنة تتناقش فيما بينها ، فما انتهت إليه يقضوه ، ولذلك يبقى باب الاجتهاد ، يبقى أنا لا أحجره.

الشيخ محمد راتب النابلسي : هل يصحّ أن نقول إن كل عبادة غطَّاها اجتهاد فقهيّ معتمد عبادة صحيحة عن علمٍ أو غير علم ؟

نعم .. نعم ، لأنَّ أهل الاجتهاد قالوا : فردوه إلى الله والرسول وبعد ذلك ولا شيء ، وكما قال الله تعالى في الآية الكريمة :
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 143]

الشيخ محمد راتب النابلسي : إذاً يصحّ أن نقول : اتِّفاق العلماء حجَّة قاطعة ، وخلافهم رحمة واسعة .

آه .. يبقى لماذا اختلافهم ؟ لماذا تلاحظ جهات متعدِّدة ؟ أي مثلاً : الذي قال : شعرة ، يبقى البعض .. البعضية الشافعية .. والباء للتبعيض .. أليس كذلك ؟ والذي ينظر إلى الكل ، الكل للإلصاق .. والإلصاق يكون بماذا ؟ بيدٍ تلصَق بالرّأس ، يبقى كل واحد له ملاحظة ، وما دام ربَّنا أفسح وجاء بها مكتملة إذاً أَذِنَ بهذا وأَذِن بهذا ، إذاً ماذا عمل ؟ لم يأخذ الإنسان ووضعه في قالب حديد في العبودية الخاصّة بالأوامر التي هي واضحة بعد ذلك جعله مختاراً.

الشيخ محمد راتب النابلسي : بارك الله بكم .. يا سيّدي قضيَّة الطلاق نُسأل عنها ليلاً نهاراً ، أي حينما يطلِّق الإنسان امرأته طلاقاً ليس منجزاً .. معلقاً .. بعض المذاهب كابن تيمية يقول : من طلَّق امرأته ليحملها على فعلٍ أو ليمنعها من فعلٍ وهو يكره فراقها كفراق ( ... ) هذا الطلاق لا يقع .. إنه طلاق قسمي مع أنَّ ابن تيميه خالف المذاهب الأربع ، فهل هناك من حرج لو أفتينا بفتوى ابن تيميه في الشام ؟

لا يا سيِّدي الفاضل ، في هذا الوقت الطلاق أصبح سِمَة لكلّ الألسنة ، لكنَّ الواقع أننا عندما نفتح هذا المجال فسنشجِّع النَّاس على هذا ، أي نُفَطِّنهم على هذا ، وأصلاً الله سبحانه وتعالى جعل تحليل المرأة للرجل والرجل للمرأة بكلمة واحدة ، لكن في الطلاق جعلها ثلاث ، الفرقة جعلها ثلاث .. فيمكن الإنسان في حالة ثورة غضب أو بسبب آخر أن يطلق امرأته ، إنما أنا أرى أن كلَّ طلاق معلق على شرط ليس للمرأةِ دخل فيه فهو باطل.

 الشيخ محمد راتب النابلسي : لو حلف عليها الطلاق ليحملها على فعلٍ ما أو ليمنعها من فعلٍ ما وخالفت أمره ؟

الذي يمنعها من فعل ما .. ربنا لم يترك ثغرة إلا وأعطى لنا حكماً فيه ، قال تعالى:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [ سورة النساء : 34 ]
ثلاث مراحل ، أي عمل لنا سبحانه هذه المراحل الثلاثة وبعد ذلك عمل أدباً لنفسه الذي هو : يطلق واحدة واثنتين ، أعطي حريَّة اختيار ، وبعد ذلك في الثالثة نقول له : لا .. انتهى ، واجعلها تتزوَّج غيرك زواجاً غير طبيعيّ . فنحن عندما نرقّع لفساد نكون قد أغضبنا الله.

الشيخ محمد راتب النابلسي : ما حكم من حلف على زوجته ثلاثة أيمانٍ مجتمعة ؟

لا شيء ، أصبح هذا مخالف لنصّ القرآن .

الشيخ محمد راتب النابلسي : لو حلف عليها أيماناً ثلاثة ؟

الذي يوقع الأيمان ثلاثةً هو الذي أصبح مخالفاً لنصِّ القرآن .
فلو سأل مفتياً نقول له : وقع الطلاق ثلاثاً ..

الشيخ محمد راتب النابلسي : أما الثلاثة ففي واحدة ؟

في واحدة فقط ، هذا نصّ القرآن : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [ سورة البقرة : 229 ]

الطلاق مرتان ، ومعنى مرة : أي حدثٌ في زمن ، وحدثٌ في زمن وبعد ذلك فرَّع بين الثانية والثالثة بفعل ، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، فتفرقة الكلمة الواحدة لا تتأتّى.

الشيخ محمد راتب النابلسي : إذاً من حلف على زوجته ثلاثة أيمان طلاق في مجلسٍ واحدٍ.. يقع واحد ؟

واحد ... لماذا ؟ لأنَّه قال : الطلاق مرتان .. وما هي المرَّة ؟ .. المرَّة حدث في زمن .. انتهى .

بعد ذلك ماذا فعل بين الثانية والثالثة ؟ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، هذا الفعل لا تستطيع أن تصنعه في الطلاق ثلاث مرّات في واحدة .. إنما يظهر أنَّ سيدنا عمر بن الخطاب ألغاها لأنَّ الناس اجترؤوا عليها.
 وبعد ذلك هناك رأيّ أبقى ( لا ) ، أن يقول : الطلاق ثلاث ، فلا نعملها ، إذاً طلقة واحدة رجعية ولكن نقول له : لا ، فهذه طلقة بائنة ، فبذلك قد شددتَّها عليه كثيراً هكذا.

الشيخ محمد راتب النابلسي : سيدي : رؤية المرأة في التلفزيون ما حكمه ؟ .. قبل أن تكون .. قبل أن ترقص ، امرأة مذيعة رؤيتها في التلفزيون، ما حكمها ؟

هي نظرة واحدة .

الشيخ محمد راتب النابلسي : الأولى .

فقط .

الشيخ محمد راتب النابلسي : ما مقدارها ؟

أَلا ترُدَّ الطرف وبعد ذلك تفتحه مرّة ثانية .. لأنَّه في النظرة الأولى المرئيُّ عارضٌ عليك ولست أنت الذي عارضٌ عليه .. إنَّما في النظرة الثانية أنت المقبل عليه.

الشيخ محمد راتب النابلسي : لك الأولى والثانية ؟

أنا قاعد هكذا .. فأنا لا دخل لي فيها فهي قد مرَّت عليّ .. إنَّما المرئيّ هو الذي عرض عليّ .. لكن في الثانية أصبحت أنا الذي نظرت..؟

الشيخ محمد راتب النابلسي : هناك من يقول أنَّ هذا خيال وليس حقيقة ؟

لا.. هذا موضوع آخر .. رأي الإمام الشافعي .. إنَّما هو مهيِّج أو غير مهيِّج؟.. نرى الأثر هل مهيِّج أو غير مهيِّج ، هذا يفسد على النَّاس بيوتها.

الشيخ محمد راتب النابلسي : سيدي نقل الأعضاء في الشام فيه خلاف كبير حول هذا الموضوع

والله لا يجب أن يكون هناك خلاف ، الخلاف هوى .. نحن مثلاً .. الشائع في هذا الأمر عملية نقل الكليتين ، نقول له : تعال ، هناك أعضاء مفردة ، و أعضاء مخلوق منها اثنان.

من الأعضاء المخلوقة اثنان- الكلية - فهل كلّ كلية تختص بنصف الجسم أم الكلية الواحدة تخدم الجسم كله ؟ بدليل أنه عندما نستأصل كلية واحدة فالثانية تؤدّي المهمة ، وكذلك نستأصل نصف الرئة فالثانية تؤدي المهمة .. الله ، يبقى إن كررت واحدة أو كررت أضعافاً يبقى أن هذه تخدم الكل - كل الجسم - وهذه تخدم الكل .. إذاً ما دام عندي كليتان يخدمون الكل نقول له : تعال ، الآن بالتشريح .. الكلية هذه مكوَّنة من أي شيء ؟ .. مكوَّنة من مليون خليَّة ، مليون مِكرون .. هل تعمل جميعها ؟ .. لا تشتغل كلّها ، تعمل ورديَّات .. العشر يعمل ، أي مئة ألف خليّة والباقي مرتاح ، فمتى يحدث الفشل الكلويّ ؟ .. إذا واحد من المئة أتلف بدأت مدتها والثانية لم تتنبه فيحدث الفشل الكلوي ، فعندما نأخذ كلية من إنسان إلى آخر فسوف يموت .. قد تركناه بكلية واحدة ، يبقى منعنا منه فرصة الاحتياط بحيث لو أُصيبت هذه الكلية يموت ، فهذه تصبح جناية.

الشيخ فرحات المنجي : إذاً نجينا إنساناً و أمتنا الثاني .

الشيخ فرحات المنجي
آه .. ثم هل هذه الكلية سوف تعطي له الحياة ؟ . ولكن بدونها أيضاً سوف أموت ، ولو بغير كلية أو بغير أي شيء سنموت أم لن نموت ؟ .. يقول لك : سوف يموت ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.. لن يموت ‍من غير حاجة ، ألا يجوز أن تصدمه سيّارة أو أحدهم يضربه ؟ أتمنع أنت الموت أم تؤجله ؟ .. ثم قال : نؤجله ، فالذي تعمل له هذه العملية هل يزاول حركة الحياة كالسليم أم لا بدَّ له من أن يدخل مرة كل أسبوع ليغسل الكليتين ؟ انظر الإرهاق الذي يحدث له ، هذه المعلومة خطأ .. فمن يزرع كلية لا يغسل الكليتين بعدها ، ولكن يستمر طوال الحياة في أخذ الأدوية المثبِّطة للمناعة حتى لا ترفض الكلية من الجسم ... فلو أخذنا بعضاً من الجسم لبعضٍ من الجسم مثل الذي يأخذ عرقاً من هنا ثم يركب في القلب ، فهل الجسم يطرده ؟ لو أحضرنا قطعة بديلة من شخص وأعطيناها لشخص آخر ، تطرد أم لا ؟. و لكن يجب أن ترتبط كل أسبوع بالأدوية المثبِّطة للمناعة ، يبقى معناه أن الجسم في طبيعته يأبى أن يدخل عليه دخيل من غير طبيعته ، نأتي للنص القرآني : الله ملَّكنا أشياء .. ملَّكنا ذاتاً وانتفاعاً .. فمثلا عندي خروف .. ملَّكني ذاته ، أبيعه أو أهبه ، وملَّكني الانتفاع به.

 ملَّكني أشياء أنتفع بها والملكيَّة هذه فيها حياتي قال تعالى :
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾ [ سورة يس: 71-72]
 مالك.. أعطى الملكيَّة لمن ؟ .. الذي عنده هذه النعمة ملك ، لكن حينما تكلّم عن النفس الإنسانية قال :
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [ سورة يونس : 31]

إذاً يجب ألا أتصرف معه ، أترك غيري الذي يتصرف .. أنا لا دخل لي به لأن هذا ليس ملكي ، وبذلك تنتهي المسألة ، و الآن تقوم مشاكل لأنهم هم الذين سيحرِّمونها.

الشيخ محمد راتب النابلسي : هناك مشكلة حول جراحة التجميل جائزة أم غير جائزة ؟

والله فيه نص " من عمل الشيطان " .. تفاوت الخلقة دليل القدرة .. فقد قال تعالى:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [ سورة الروم : 22 ]
 أي لا يوجد قالب بحيث لو جمعت النّاس كلها لا تجد واحداً مثل الآخر في الشبه إنّما قريب منه ، وليس هو نفسه .. يبقى كل واحد له ذاتية مميّزة .. لماذا ؟ .. إذاً اختلاف الخلقة مقصودٌ للحق ،.. وجود العاهات مقصودٌ للحق ؛ أي هذا خُلق أعمى، وهذا خُلق أعور، وهذا كسيح ، فانظر كم هي نسبة المعاقين في الكون !! بلد فيه مئة ألف نسمة كم أعمى فيه ؟

الشيخ محمد راتب النابلسي : قليلة .

وكم أعور فيه ؟ وكم كسيح فيه ؟.. - هذه النسبة وسائل إيضاح ولنعمة منسية - فساعة ما الإنسان يرى أعمى ومتعثراً .. يقول : الحمد لله .. لا .. لا .. ويمسك عينه .. الله .. ، لكن وما ذنبه هذا لكي يكون وسيلة إيضاح !؟ . نقول له : أنت لا تعرف ماذا عوَّضه الله عن هذه العاهة ؟.. أنت نظرت لهذه العاهة ولم تعرف ماذا عوضه عنها .. ولو نظرت إلى ما عوِّض تلتفت و تقول : هو أعطاه أحسن مما أخذ منه ، هل تسمع بباخ الذي دوّخ الدنيا و الموسيقيين ، كان أصم ، التي هي آلة السماع .. الله!! أصم ، تيمور لنك الذي دوخ الدنيا كان أعرج .. الله !! يبقى إذاً كلّ مسلوب نعمة من النعم التي هي عامّة لهؤلاء الناس - معوّض شيئاً - ولكننا لا نفتش على العِوض وننظر فقط لهذه العاهة ، ولذلك حتى عند الفلاحين الأُمّيين يقولون : كلّ ذي عاهةٍ جبّار ، ما معنى جبّار؟ .. أي له ناحية متميز فيها لماذا ؟ لأنّه ولو عنده نقص في هذه فهو يحاول أن يعوّضه ، .. شاخت واضع الاقتصاد الألماني عندما ذهب للجيش الألماني ليجنّد لأنَّ رجله معطوبة - معاق - لم يقبل ، لكنّه قعد يدرس .. قال : إن الحرب سوف تتعب ألمانيا اقتصادياً فوضع النظام الاقتصادي لما بعد الحرب - نظام شاخت - وعندما انتهوا من الحرب وحدث لهم ما حدث فيها .. ابتدأ النظام الاقتصادي ، انظر بعدما انهزموا في سنة ألف و تسعمئة و سبع عشرة عبّدوا الدنيا في سنة ألف و تسعمئة و تسع و ثلاثين بسبب النظام الاقتصادي ، فإنسان واحد ماذا أعطاه الله !! .. ولذلك يقول لك: مركّب النقص وسيلة الكمال الاجتماعي أي مركّب النقص في شيء يحاول إبرازه في شيءٍ آخر.

الشيخ محمد راتب النابلسي : وعبروا عن هذه الحقيقة إن المجموع ثابت .

ولذلك أنا أقول : إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان .. يبقى هذا آخذ عشرة على عشرة في هذه .. وصفر في حاجةٍ ثانية .. لماذا ؟! .. حتّى نتعشّق مع بعضنا البعض ، لأننا لو كنّا متساويين في الدرجة سوف نستغني عن بعضنا البعض .

الشيخ محمد راتب النابلسي : نتنافر.        

آه .. لأنّ الحاجة هي التي تربطنا معاً ، نحن كان عندنا شيخ اسمه موسى كان يدرّس لنا التفسير ، فيكون قاعداً وغير مشغول قبل أن يبدأ الدرس يدعو ويقول : يارب .. يا الله أغني العلماء ، و يا رب أفقر العمال والصنّاع .. ونحن صغار في السنة الثالثة فنقول له : لماذا ؟ يقول : اقعد يا جاهل .. يا ولد العالم عندما لا يكون غنياً تحوِّله الدنيا إلى أن يُلحن في فتواه ، إنما العالم الغني لا أحد يتجرّأ أن يغيّر همَّته ، والعامل والصانع كذلك و سوف تجربون ذلك ، يا أولاد من لا يملك المال لا يتقن عمله ولا يأتي إلى العمل ، وفي هذا الوقت الدنيا تشتكي من هذا العامل وهو مدوّخ رب العمل ، يجلس على القهوة ولا يحضر ويعطلنا ، هذا نظام معمول .. تلك الأيام نداولها بين الناس.

 لذلك أنا قلت في الماضي : الذي يشقى ويرضى بقدر الله ، حالة فقره تكون عشر سنوات ، ثم يرتاح طوال العمر ، وإن تعب في عمله ، عمل عشرين سنة يرتاح أولاده طوال العمر، وإن تعب ثلاثين سنة يريّح أحفاده ، لأن الدنيا كما قال تعالى :
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [ سورة الزخرف: 32 ]

إذا سمعت تفسير هذه الآية .. قلت لنفسي : كلمة بعض هذه تعني أن كلنا بعض ، أي بعضنا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر لكي يتكون الالتحام الضروري ، لا يوجد أحد يتطوّع لكي يكنس شارع إنما عندما يكون عنده فقر وعنده عيال وأولاد يريدون أن يأكلوا تجده يذهب ليعمل في تنظيف غرف تفتيش السياقات – ريغار - ويمسح دورات المياه ، أليس كذلك ؟ ويصحو في الصباح يقول : يارب يا فتّاح يا عليم ... أي والله ..فتجد إنساناً يعمل في محل تصنيع عطور ، والثاني يشتغل في دورات المياه ، الاثنان في بيت واحد يسكنون .. أحدهم يشم رائحة العطر والآخر يشم المجاري ، أيام الرئيس عبد الناصر رُويَت نكتة : اثنان نزلوا في المجاري ليقوموا بإصلاحات داخل حجرة التفتيش في الشارع سمعوا أصوات عالية ، فأحدهم قال : سأرى ما هذه الضجة؟ فصعد للأعلى ينظر فقال له الآخر : ماذا رأيت ؟ قال له : الريّس مار في موكبه . فقال له الموجود في الأسفل : انزل بلا قرف . أي أن هذا هو القرف.

لذلك انظر بعين الاستقراء هكذا الذي رضي بحاله ولم يحقد وابتدأ يتقن أي عمل تجده بعد فترة أصبح صاحب عمل ، حتى عندما يبقى الإنسان خاضعاً هكذا في داخله وهو يتعلم لا يضن ، لا يبخل عليه معلّمه بالمعلومة ، أما إن كان عاملاً متكبراً معلمه يعمل دون أن يراه المتعلم.

 أنا كنت أبني هذا البيت وعندي كثير من العمال يبنون ، عندما أراقبهم من بعيد هكذا أجد العامل يضرب بالفأس ضربة ثم يستريح ثم يرفعها ويستريح .. فقمت بجمعهم وقلت لهم : أنا أرى ما تعملون ولن أحاربكم في أرزاقكم ، وستشتغلوا كذلك عندي ، إنما أنا أسألك يارب أن تعطيهم من الأجر الذي أعطيه لهم على قدر عملهم .. والباقي الذي لا يستحقونه أجعله هبة منّي لأولادهم .. فاستمعوا إلي : الذي سوف يعمل ويبذل جهداً هنا والله لن ينتهي من العمل هنا إلا وسيبني بيتاً.
 وأقسم بالله .. والله لم يعمل أحد في البناء هنا إلا وقد بنى بيتاً له قبل أن ينتهي من عمله في هذا البيت ، حتى محمد عارف الذي كان مشرفاً على العمال وجدته يبني عمارة له .. وقال لي : البيت ليس على قدر دعوتك.

الكون مخلوق بنظام فإذا نحن صنعنا تروساً - أي مسننات - فكل الآفات محصورة للحق ، فلنأخذ الشيطان ، عندما جاء يتكلم مع ربنا جاء متكبراً لأنه مخلوق من النار - ولكنه في النهاية لا شيء .. آه .. لأنه أظهر خطتة التآمريّة على بني آدم ومن يريد أن يمكر بغيره فلا يظهر خطة التآمر التي سيعملها له . قال تعالى :
﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [ سورة الأعراف:16]

فماذا نقول نحن إذاً للناس ؟ عندما الشيطان يأتي لك في الصلاة يريد أن يفسدها لك .. ولا يذهب إلى الخمّارة لأن الذي في الخمّارة لا يحتاج له.. قال لله : لأقعدن لهم صراطك المستقيم . هذه واحدة ، ثانياً : قال له :
﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [ سورة النساء : 119 ، 120]

ولآمرنهم فليغيرن خلق الله أي الذي لا يعجبه خلقه يذهب فيغيّر ، وتجد أشخاصاً كثيرين يعملون هذه العملية فيفقدون جاذبيتهم .
 يقولون : إنه يمكن أن تكون جاذبية كليوباترا في أنفها فلو زاد نصف سنتيمتر لتغيّر وجه التاريخ.

كل شيء هكذا خلق .. فالجاذبية معمولة في الشكل هذا ، لا أريد مالاً أو أي شيء من هذا ، ولذلك أنا قلت قضية : من رضي بقدري أعطيته على قدري . إنما يجرون عمليّات ليشدوا الجلد ويغيّروا خلق الله.

الشيخ فرحات المنجي : بعض العلماء يا مولاي يقولون : إذا كان ربنا هداني إلى تحسين هذه الخلقة أو إلى نقلها ....

ولذلك أنا قلت للنساء اللواتي قمن بسؤالي ، قلت لإحداهنّ : أنت فعلت ما فعلت في شكلك أخفيتي شيئاً ووضعت شيئاً آخر مصنوع ، فو الله العظيم هذا تخصيم لله كأنّك تقولين له : يا رب لماذا لم تخلقني في هذه الحياة جميلة ؟ لماذا ؟ وبهذا التعديل كأنّك تقولي لله: أنت يا رب لست بحكيم ، فهل زوجك لا يعرف أن هذا الذي تضعينه دهان وطلاء ، فإن لم يكن يعلم فهو إذاً كثير الغباء.

الشيخ فرحات المنجي : ترى أن جارتها أجمل يا مولانا .

أليس الذي خلق هذه المرأة الجميلة يجعلها تعمل شيئاً تتميز به.

الشيخ محمد راتب النابلسي : الآن هناك بحوث حول الهندسة الوراثية ، كأن يوجد طفل بشكل معين ولون معين ، استخدام هذه البحوث جائز ؟

من أين أخذوها ؟.. أخذوها من صنع الله .. من خلق الله.. فالذي وصل إلى أرقى النظريات من أين أتى بها ؟ أتى بها من واقع سابق فمثلاً الهندسة .. أنا أُبرهن على النظرية رقم مئة هل أقول كذا يساوي كذا حسب النظرية كذا ، وتمارين حسب نظرية كذا ، وماذا بعد ذلك ؟ .. وهكذا .. فالنظرية الأولى ماذا تكون ؟ .. قال : هذه النظرية حسب البديهة الموجودة في الكون ، كل شيء له بديهة ، الله عمل بها وسائل لكي نصل إليها ، لذلك العلماء المهذبون عندما يأتون بشيء جديد يقولون لك : هذا كشف .. كشف أي كأنّها كانت موجودة وظهرت على يده ، أي أنها ليست اختراعاً ، إنما هي كشف ، أي أن العالم أزاح عنها الستار.

الشيخ محمد راتب النابلسي : سيِّدي أنا أقول لإخواني في الشام : لك أن تشتري بأيّ ثمن ، ولك أن تبيع بأيّ ثمن ، ولك أن تقبض بأيّ طريقةً تقسيطاً أو دفعةً واحدة ، و لك أن تدفعها...

أنا سأقول لحضرتك : اختلاف الأسماء في الزمن الواحد لأشخاصٍ متعددين ، أي أنني سأشتري منك حاجة ستعطيها لي بعشرة .. وعندما يأتي آخر سوف يشتريها منك بسبع ، وثالث ستبيعها له بست ، أنت تقدِّر شيئاً بينك وبينه له قيمة ، فإذا كان الاختلاف في الثمن النقد جائز ، وعندما يكون في التقسيط .. كلمة تقسيط يا سيدي .. الواقع أنّ البيع لا يتم إلا في آخر قسط.

الشيخ محمد راتب النابلسي : إذا سميّنا للزمن ثمناً قلت : هذه القطعة بعشرة نقداً .

 أصبح هذا ثمن .. لكن لا تقول: ثمنها عشرون و سأؤخر لك كذا بكذا.

الشيخ محمد راتب النابلسي : هناك مشكلة أن لي على إنسان ديناً وهذا الإنسان فقير ، أيجوز أن أعتبر هذا الدين من الزكاة وأسامحه بها ؟

لا .. لا يجوز ، لا تضيّع حق فقير لإنقاذ آخر ، إنما ماذا تفعل له ؟ ربنا قال :
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 245 ]

ولذلك قال : الصدقة بعشرة أمثالها ، والقرض بثمانية عشر ، ولذلك الإشكال في سان فرانسيسكو قال : الحديث معارض للآية لأنه يقول : إن من يقرض القرض يضاعفه الله ، ويضاعف الحسنة بعشرة.. إذاً كان يعطيه عشرين ، إنما قال : بثمانية عشر !! فكان الجواب ما يأتي .. قلت للدكتورة نوال : اسأليه هل إذا تصدقت بدرهم سوف يعطيني عشرة ؟ هل سوف يعطيني الدرهم الذي أنا قمت بدفعه ؟ يبقى أعطاني تسعة فقط ، وإذا ضاعفها ستصبح ثمانية عشر .. إذاً الحديث صحيح.

الشيخ محمد راتب النابلسي : إذا أخذنا أموال الزكاة وأنشأنا بها مكاناً لتدريب الفقراء ، أي أشترينا بيتاً وآلات خياطة ، هل يجوز ؟

إذاً أنا أعمل لهم من أجل المستقبل !! لا أضيّع شخصاً محتاجاً الآن لكي أبني له مستقبلاً .. أعطي له ليفعل ما بَدا له ، أي لا تتصرف في حقه لأن هذه الزكاة حقه ، أعطيها له يتصرف بها كيف يشاء ، أشعُره بأنَّه يملك ، مثل الذي يحصي زكاته في أول رمضان ويقول : سوف أوزّعها على اثني عشر شهراً لكي لا أعطي له أكثر . نقول له : يا أخي هل تضمن لإنسان رزقاً لبعد أحد عشر شهراً وتترك من هو جوعان الآن !! قال تعالى :
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [ سورة الأنعام : 141]
﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ [ سورة الأنعام : 141]
انتهت المسألة فكل إنسان حر.

الشيخ محمد راتب النابلسي : سيِّدي إيداع الأموال في البنوك بلا فائدة ما حكمه ؟
         
أنت تعينَهم على المخالفات .
نحن عندنا الآن قضيَّة البنوك الرَبَويَّة ، عندما وجدت أنَّ البنوك الإسلامية سحبت الودائع إليها من عملائهم فماذا فعلت ؟؟.اضطرَّت إلى أن تعمل فروعاً إسلامية .. فأنا قلت لهم : عندما يأتون ليسألوا العالم أقول لهم : لا .. اسألوا المسؤولين عن البنوك لماذا عملوا فرعاً إسلامياً ؟!! فذلك دليل على أنَّ المعاملات الموجودة عندهم غير إسلاميَّة.

الشيخ فرحات المنجي : كعودة على موضوع البيع والشراء .. كنت في أمريكا في العام الماضي موفَد من الأزهر لنشر الثقافة الإسلاميَّة في أحد المراكز الإسلاميَّة هناك ، فوجدت في موضوع البيوت والسيَّارات وغيره أحدهم أراد أن يشتري بيتاً أو يستأجِّر بيتاً قالوا له : أنت عندك أربعة أولاد فلا نستطيع أن نعطيك لأنَّ كل ولد المفروض أن تكون له حجرة خاصَّة عندنا ، المهم وجد بيتاً فذهب لشرائه ، فوجد أن ثمنه مئة ألف وهو يملك عشرين فقط ، فدفع العشرين .. هنا البنوك تدخُل تؤدي عنه وتأخذ منه بالقسط وبالفائدة ... هل هذا حلال ؟

هذه الحالة ليست حلالاً ، لأنني كوني أملك بيتاً ليس من الشرط في الإسلام ، إنَّما المسلم لا يُهاجر إلا إذا كان واثقاً من أن الهجرة لهذا البلد لا تُؤَثِّر في تنفيذ أحكام الله ، ويمكن أن يؤَدِّيها ، ونراقب ذلك ، الهجرة من نفسها باطلة من الأول.

الشيخ محمد راتب النابلسي : نعم : من أقام مع المشركين بَرِئت منه ذمَّة الله .. في الجامع الصغير .

نعم أنا لا يُباح لي الهجرة إلى مكان إلا إذا وثقت أنَّه لا يوجد أحد يعارضني في تنفيذ أحكام الله ، فإن كان فيه مُعارض في أحكام الله تبقى الهجرة باطلة.

الشيخ فرحات المنجي : عندما سألوا هذا السؤال قلت لهم : إنَّ البنك هو الذي بنى هذه العقارات أو أي شيء .. فقال لكم مثلاً : هذا العقار بمئة حال و بألف مؤجَّل ..

لأنه يسدد عنك ، لأنَّ الأصل أصل .

الشيخ فرحات المنجي : في هولندا عملوا نظاماً ، المسلم الذي يريد أن يتزوَّج يذهب يتزوَّج في المحكمة عندهم .. أولاً يسجلوه لكي لا يتزوج من اثنتين معاً لأنَّ ذلك ممنوع في بلادهم. يذهب إلى المحكمه ويسجِّل اسمه مع اثنين من الشهود ويتزوَّج بعقد ، ويأخذ عقد الزواج ثم يذهب الى المركز الإسلاميّ ويقول: أنا تزوَّجت هكذا .. إنكليزي أو هولندي أو أمريكي.

لمصلحة .. من أجل الإقامة ؟

الشيخ فرحات المنجي : نعم من أجل الإقامة .
ثمَّ يذهب للمركز الإسلامي ويتزوَّج هناك.

من كانت هجرته لامرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.

الشيخ فرحات المنجي : لا.. هذه فيها حكم آخر يا سيِّدي الشيَّخ ، فهو ذهب إلى المحكمه وتزوَّج من أجل قوانينهم ثم جاء للمركز الإسلامي وعند إمام المركز الإسلامي تزوَّجها شرعيّاً .. فقط ولفترة سنة أو سنتين ، حتى أنجب ولداً .. وهو يعلم أنَّه لو طلَّقها الآن في المحكمة الإنكليزية أو الأمريكية سوف يحصل على معونة وكذلك زوجته .. فيقوم بطلاقها في المحكمة ، ويُبقي على زواجه الشرعيّ منها الذي تمَّ في المركز الإسلامي .. فمتزوجها هنا في المركز ومطلقها هناك عندهم في المحكمة.

إن كانت المسألة ستجعلني أنحرف عن ديني يصبح العقد حراماً ، الحياة نفسها هناك حرام من الأول.

الشيخ فرحات المنجي : لا.. حكم الزواج أنَّه يبقى أم لا ؟

معنى ذلك لماذا فعل ذلك ..

الشيخ فرحات المنجي : ليستحلَّ مالاً بدون وجه حق ، أي المعونة التي يأخذها .. وفي نفس الوقت ظلَّ هو وزوجته على نظام المركز الإسلامي متزوجين ، هل هذا الزواج وهو باق معها أي المعاشرة الزوجيّة حرام ؟؟

الزوجة الأولى أم الثانية ؟.

الشيخ فرحات المنجي : هي زوجة واحدة .. تزوجها هنا بالمركز وهناك بالمحكمة ، وطلَّقها في جهةٍ من الجهات أي في المحكمة الأمريكية أو الإنجليزيَّة وأبقى عليها بالزواج المسلم الذي تمَّ بالمركز الإسلامي.

الزواج معلن أم غير معلن ؟

الشيخ فرحات المنجي : الاثنان معلنان

إذاً لا شيء عليه

 الشيخ فرحات المنجي : تظلَّ زوجته

الشيخ فرحات المنجي : إن شاء الله أنا مسافر يوم الجمعة القادم إلى أمريكا في ولاية كارولين لنشر الثقافة الإسلامية.
 ألا من نصيحة ؟

أنت سوف تنصح الناس ، ومن يسمعك من المسلمين أليس كذلك؟ قل لهم إنّ من حضر لهذه البلد فهو يريد الدنيا فلا يضيّع شيئاً من الدين في سبيل الدنيا.

 شيء آخر نبّههم أنه لا بدّ من أن يوجد تآلف بين هذه الجاليات لكي لا تتفتح عيون شبابهم على بنات الغير ، وأن يكتفوا بعضهم ببعض .. وكذلك قل لهم : احرصوا كثيراً على تربية أولادكم في الصغَر ، احرصوا على أن يكون البيت بيتاً مسلماً منضبطاً ، ولا تقولوا إن الأولاد يتعلمون في سن السادسة بل يتعلمون من مجرد بدء عمل حواسّه ، ولذلك كثير من الناس يهتمون بهذه المرحلة المهمّة في تربية أولادهم ، فعندما كنا في الجامعة بعضهم قال : إنهم قد ربونا خطأ ، فقلت له : ماذا كان يقول المحاضر؟

الشيخ فرحات المنجي : كان يتكلّم عن تربية الشباب.

قلت لهم : هذا العنوان خطأ لأن الشباب لا يربى ، الشباب طاقة تستغل ، إنما التربية قبل هذا العمر ، فلا تضيّعه وهو طفل وبعد ذلك تأتي وتقول نربيه وهو شاب يافع .. فإذا قلت للشاب : البس ثياباً قصيرة.. فيقول لك : لا سوف ألبس ثياباً طويلة. فلماذا تلبس الطويل ؟ يقول : هكذا أنا أريد .. قالوا : إذاً عالجونا . فقلت لهم : المعالَج يسمع كلام من يعالجه ويطيع أوامره أليس كذلك ؟ لو قيل له : اشرب هذا الدواء فسيشربه .. فإن كنتم تريدونني أن أستأنف تربيتكم ونعوِّض ما فاتكم من التربية استأنفوا طفولتكم معنا ، فأنا أريد أن تؤكّد على هذا الشيء ، فيجب أن يكون بين المغتربين في الخارج تآلفاً لكي تقع عيون الشباب على البنات وهي صغيرة .. فهذا أول شيء.

 ثانياً : من عنده بنات الأفضل أن يعود لبلاده ، أما من عنده أبناء فعندما يكبر ابنه ويأتي ليتزوّج يتزوّج واحدة منهم ، إنما البنت تدخل على أبيها برجل أجنبي ليس من دينها وتقول لأبيها : إنّه صديقي . فقد جاءني أحدهم من ألمانيا وقال لي : ثروتي كلها تضيع ولكن لا أخسر بناتي .. عندما رأى ابنته تدخل عليه قائلة : هذا صديقي.

الشيخ محمد راتب النابلسي : وقد يكون يهودياً !؟.

فالرجل كان يبكي ويقول : أنا قد جمعت أموالاً كثيرة ، لتذهب هذه الأموال كلها ولا يحدث لي ما حدث . فقلت له : ما دامت نيّتك خالصة في استقبال منهج الله وهدايته لابنتك، أليس لك بلد هنا ؟؟
 قال : لي بلد ولكن لا نذهب إليها . فقلت له : استأنف علاقاتك بأهل بلدك وقم بزيارتهم صيفاً ، وامكث معهم بعض الوقت .. فقال : نعم سآتي بعد الانتهاء من الامتحانات . فجاء بأسرته وذهب لبلده في الريف ففرح أقاربه به كثيراً وتشرَّفوا به وبزيارته ، وقبل الانتهاء من العطلة القصيرة خطب ابنته أحد الضباط من شباب البلدة ، وجاءني الرجل مسروراً . فقلت له : إنّ ذلك من حسن نيّتك ، فربنا سبحانه وتعالى اختار لك ويسّر لك.

فقل للمغتربين : من عنده بنت يأتي بها وينهي أعماله وكفى عليه ذلك .. قبل أن يحدث له ما لا يسرّه.

الشيخ فرحات المنجي : بعضهم موجود في أمريكا من خمس سنوات والبعض من أكثر من عشرين سنة أو خمس وعشرين سنة فإذا دخلنا بيت الأمريكي وبيت المصري فلا نجد بينهم اختلافاً في شيء ، ويعملون نفس أعمالهم ثم يسألون.

الأستاذ رأفت عندما ذهب لأمريكا ليتعلّم وليحصل على درجة الدكتوراه كانوا يسمونه برجل أي فرجار، لأنّه كان بعد الانتهاء من عمله يعود إلى منزله ويجلس مع أولاده حتى عادوا إلى بلدهم دون أن يذوب في المجتمع الغربي. فمن عنده بنات يعجِّل في العودة والرجوع إلى بلده قبل فوات الأوان ... فيكفيه زيادة استثمار ، فليس السفر سياحة ، فالسفر إما استثمار وإما اعتبار ، فمن ذهب للاستثمار نقول له : كفاك ذلك وعد إلى بلدك ، أوأنّكم تتآلفون معاً وتكوِّنوا بيئةّ مسلمةّ متعارفة ، فيمكن أن يتزوّج شاب مسلم ببنت مسلمة.

الشيخ فرحات المنجي : لي أخ صديق من الجزائر في الحقيقة من الناس العلماء والحمد لله من الجيّدين قابلني وقال لي : فضيلة الشيخ كان عندنا في الجزائر وقد جمعنا مبلغا من المال وأعطيناه للشيخ ، وبعد مدة الشيخ وجد جامع لم يكن منشأً ...

أصل المنسوب لله ده يجب أن يكون أحسن شيء .

الشيخ فرحات المنجي : قال هذا الصديق بعضنا قال نحن عملنا ما علينا ، والبعض قال الله !! كيف يقبل الشيخ أن يأخذ مبلغا مثل هذا ! وأصبحنا نقول مثل ذلك ، وبعد مدة من الزمن وجدنا هذا المسجد أقيم بنائه بشكل جيد ؛.. فقالوا : من الذي أقامه ؟. قالوا الشيخ الشعراوي!! فأتينا لنرى ذاك المسجد فوجدنا أن الشيخ قد دفع من ماله الخاص وأقتطع من قوته لهذا الجامع.

أنا لا أعمل هذا فضل ، أنا الذي أقوم بعمله تكليف من الله لأن ربنا لم يعف أحد أبدا من الإسهام في عمل الخير ، فقد قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ( سورة النور : آية " 61 " )
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج .. خلاص .. وبعد ذلك ؟ ، ولا حرج لمن لم يجد.

الشيخ محمد راتب النابلسي : المعنى المخالف : يوجد حرج لمن يملك ، هناك حرج لمن يملك.

وبعد ذلك ماذا يقول : ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( سورة التوبة : آية " 91 " )
ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل فإذا كنت غير قادر على أن أبذل فماذا أفعل؟ ، أقول للغني : تعالى أنت غني إدفع ، يعني أتسوّل ( أشحت ) على المساكين وعلى مشروعات الخير ، ولكن إيّاك أن تدخلها في جيبك ولكن إن لم أقدر على هذا ولا على ذاك .. أيضا لم يعفني الله فهناك شيء خاص بنفسك - الأول لم تقدر لأنه لم يوجد معك ما تدفعه ، والثاني لم تقدر عليه لأن أهل الغنى لم يسمعوا كلامك ، فماذا تعمل ؟.. هل تظنّ إنّك لست من هؤلاء ؟ لا ، فقد قال تعالى : ( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ) ( سورة التوبة " آية " 92 " )
 وفي رواية - يارب أنت تعلم أني عاصيك ولكنّي أُحِب من يُطيعك . - ولكني أُحِب من يطيعك ، أي حتى ولو لم يقدر أن يفعل شيء مثلاً فإن رأى مسجداً أو شيئاً آخر بهذا الشيء يفرح ، فلو مجرد دعوة خير للإسهام بها أو حتى بفكره .. فربنا لم يطلب من كلٍ منّا العمل .. ولكن لم يعفينا من المسؤوليه والمشاركة.

الشيخ فرحات المنجي : هذا الصديق الجزائري طلب السماح منكم بأنّه ظن بكم هذا الظن بأنّك قد أخذت ذلك المبلغ ..

آخذها وماذا أفعل بها !!؟

الشيخ محمد راتب النابلسي : ألا يحتاج المسلمون اليوم إلى مجامع فقهيّة يعالجون القضايا المستجدّة ؟

نعم يجب ذلك .. فنحن مثلاّ عندنا مجمع البحوث يبحثون فيه الأمور التي تستجد ، نحن قد ضيعنا الأصل ، يجب أن نطبق الموجود والباقي نقول : هذا لم يكن موجوداً أيام النبي صلّى الله عليه وسلّم.

ليست هناك تعليقات: