الاثنين، 25 أبريل 2016

ذكريات الشيخ الشعراوي

ذكريات الشيخ الشعراوي
أعجبني كثيراً إستهلال الشيخ الشعراوي رحمه الله روايته لذكرياته بهذه الجملة :
"لعل حضرات القراء يصلون أعمارهم بأعمار المجربين قبلهم .. وبذلك يثمرون حياتهم في أقصر وقت ممكن .. ولعل ما يوفرونه من استثمار تجارب الآخرين من الوقت ، يمثل ما يفيض الله به عليهم .. من تجارب لسواهم ".

من هذه الجملة نفهم أنه لا ينوي رواية مذكراته للتسلية ولا للفخر ، إنما نيته في ذلك هي نقل خبراته للآخرين لتكون عبرة وعظة يستفيد منها الناس ، والحقيقة أن هذا هو شعور كل مؤمن عندما يتكلم أو يكتب ، فلا هدف له إلا الخير للآخرين.

(ميلاده 15 أبريل 1911 - وفاته 17 يونيو 1998م) 


يقول الشيخ الشعراوي :
«إن الفقهاء الذين كانوا يقومون على تحفيظ القرآن ، كانوا يسمونهم وقتها سيدنا ، ولك أن تقدر مدى مكانة واحترام الذين يطلق عليهم الناس هذا اللقب ، حتى العمدة كان يقول : سيدنا فين ، وابحثوا عن سيدنا ، وكان هذا يدل على طبيعة البلاد ووجدانها الديني ، كانت الناس تحب كل من يسمى سيدنا ، وسيدنا ذهب وسيدنا جاء ، وهذا اللقب موجود في كل الأرياف وله احترامه الكبير».

«قبل أن يأخذني أبي إلى كتاب سيدنا وأنا صغير ، أعدني لهذا اللقاء ، اشترى لي كمية هدوم كويسة ، وأنا أتساءل ليلة ذهابي للكتاب بيني وبين نفسي : (يا رب ، ماذا يريد أن يفعل بي أبي؟)».
وفي الصباح ، صلينا الفجر وتناولنا الفطور ، وأخذني أبي من يدي ، وذهبنا إلى كتاب سيدنا الشيخ عبدالرحمن ، وسلمني والدي إليه وهو يقول له:
– هذا ابني ، اكسر له ضلع وأنا أعالجه ، ثم أشبعه توصيات من هذا النوع.
وسأله سيدنا: ابنك اسمه إيه؟
فرد والدي: اسمه الرسمي محمد ، لكن سته لأمه اسمته أمينًا ، وهي تحفظ القرآن الكريم ، فيصبح له اسمان.
فقمت أنا من مكاني، وقلت لهما: لا، هناك اسم ثالث.
فرد الشيخ عبدالرحمن: ما هو الاسم الثالث يا بني؟
فقاطعته قائلًا : قل لي يا وله.. مش يا بني.
فسألني: لماذا؟
فقلت لسيدنا: لأن ابن عمتي يناديني دائمًا يا وله ، ما يقوليش لا يا محمد ولا يا أمين ، يقول لي يا وله.
ضحك سيدنا الشيخ ، وقال: يا وله دي يعني يا ولد ، وهذه تقال لكل واحد في سنك.
فقلت لسيدنا: أهم بيقولوا لي كدة ، واحد يقول يا محمد وواحد يقول يا أمين ، وواحد يقول يا وله ، لخبطوني ، فتعودت على وله».

وعن احداث ثورة 1919 يروي الشيخ الشعراوي عما شاهده قائلاً:
«كانت أحداث ثورة 19 تمر أمام عيوننا ، أناس من مختلف الطبقات والطوائف ، كبير وصغير ،  فقير وغني ، متعلم وجاهل ، كلهم تأخذهم عملية وطنية واحدة ، كلهم مرتبطون مع بعضهم البعض ويعملون العمايل اللي هيه ، أنا رأيتهم بعيني وهم يحملون عربات الدلتا.. وكانت بين بنها والمنصورة ، وتمر على الرياح التوفيقي ، ويلقون بها في الترع ، ويقومون بفك القضبان جميعهم مع بعض ، وكأنهم شخص واحد ، ويأتي الإنجليز من معسكر لهم في بلدنا ، ويرون ما جرى ، ولا يجدون فردًا واحدًا يعترف على آخر.

كانت حمى وطنية تجتاح الجميع ، وقد غذوا الأطفال في القرية التي نشأت فيها بهذه الوطنية ، إلى أن تبين أثرها سنة 1930 ، وقت أن حكم إسماعيل صدقي البلد وألغى دستور سنة 1923 ، وعمل دستور سنة 1930، وزيف الانتخابات ، وقريتنا دقادوس وجدت تعبيرًا عن وطنيتها أنه لابد أن تقاطع الانتخابات ، وفعلًا قاطعت الانتخابات ، نادى المنادي قبلها بيوم : (يا فلاحين ، هاتوا أكل مواشيكم لأننا مش هنخرج بكرة من الدور ، وانتوا يا عمال ياللي في ميت غمر ، وضبوا أرزاقكم ، هاتوا عيش من الطابونة ، وكذا وكذا ، وأصبح يوم إضراب ، والدور كلها مسككة ، واللجنتان معقودتان بالبلد ، ولكن ولا واحد يدخلهما ، حتى نحن الصغار منعونا من الخروج.

وعندما بلغ الخبر المديرية ، أرسلت لنا كتيبة لتخرج الأهالي من بيوتها ، جاء الصاغ عبدالمجيد شريف ، وكان وكيل الحكمدار ، على رأس القوة ، ودخل القرية ، وتوجه إلى بيت من البيوت ، وكسر الباب ، وأخرج الناس الذين بداخله ، وكان بداخله سيدنا الشيخ عبدالرحمن الشهابي رحمه الله ، وعندما قاوم الجنود ، ضربوه بالنار فمات في الحال ، وقامت المعركة ، والبلد رمت الكتيبة في البركة ، والصاغ إياه اتقتل ، ولم تتم الانتخابات ، وعندما ألقى (صدقي) بيانه في المجلس ، قال: (لقد حصلنا على كذا صوت في الانتخابات ، إلا في قرية دقادوس التي امتنعت عن الانتخابات).

ومن يومها ، أنشأ (صدقي) شيئًا اسمه (هجانة) ، يأتون إلى القرية بعد صلاة العصر ولا يخرجون منها إلا مع طلوع الشمس في اليوم التالي ، وظل البلد على هذه الحال طوال مدة حكمه لأربع سنوات ، فكنا نحتال على هذا الأمر بافتعال مياتم وما إلى ذلك ، ومن هنا تضاعفت الحمى الوطنية في البلد».

لهذه الأسباب القرآن ليس كأي كتاب آخر
«هناك أشياءً كثيرة لا تنسى ، غرس كتاب (سيدنا الشيخ عبدالرحمن) بذورها ، التي أنبتت خواطر ، وكلما كبرت تكبر معي الخواطر ، ومن أبرز الأمثلة التي أعتز بها كل الاعتزاز تلك الخواطر التي أبرزت لي السمات المنفردة التي يتميز بها كتاب الله.
السمة الأولى التي يتميز بها القرآن أنه لا يُقبل عليه إلا المتوضيء، فليس القرآن كأي كتاب آخر.
السمة الثانية أنه يقرؤه بشكل خاص.
والثالثة: أنه يكتب أيضًا كتابة خاصة.. ففيه ألفاظ مكتوبة كتابة على غير القاعدة.. فعبارة (بسم الله الرحمن الرحيم) مثلًا، ليس في كلمة (بسم) ألف قبل السين.. ولكن (اقرأ باسم ربك)، تجد فيها ألفًا قبل السين.. وأما باقي الأسماء كلها فبدون ألف.. إذن القرآن له قراءة خاصة لا يقرأ بغيرها.. ومعنى هذا أنك تقرؤه كما تسمعه، وتكتبه كتابة خاصة أيضًا كما ورد لك في المصحف.
والسمة الرابعة: أنه كلام الله المعجز.. وكماله لا يتعدى إلى غيره إلا حكمًا.. وإنما أسلوبًا لا.. فأنت إذا قرأت أي كتاب في الأدب مثل العبرات للمنفلوطي ، أو ما شابه ذلك ، قد يحسن أسلوبك أو لا يحسنه.. ولكن هات الفقي الذي يحفظ القرآن منذ الرابعة عشرة وقل له اكتب خطابًا ، تجده لا يعرف.. إذن كمال القرآن البلاغي لا يتعدى إلى غيره أبدًا.. يظل هو هو.. بينما أنا لو قرأت كتابين في الأدب يتحسن أسلوبي.

إذن القرآن متميز تناولًا بطُهر ، وقراءة بسماع ، وكتابة بالموجود ، وكمالًا لا يتعدى.. وقد صحبتنا هذه الفكرة إلى أن أصبحنا علماءً كبارًا ، وبدأنا نعد منها قواعد ، ونعمل منها أشياء».

ضربني بالقلم على وشي فقلت لمن ضربني جزاك الله خيرًا
«أتذكر عندما ذهب بي أبي إلى كُتاب سيدنا أول مرة ، وقال له اكسر له ضلعًا وأنا أعالجه ، أخذت من هذا قاعدة. لقد كان سيدنا قاسيًا علي دون غيري ، وكنت أجدها قسوة غير منطقية ، لأنه كان هناك أناس غيري على قدر حالهم ، يأتون لسيدنا بالخبز على الأكثر كل يوم خميس ، وأما نحن ، فكنا نحمل إلى سيدنا من كل ما يدخل بيتنا ، فقلت لنفسي: (بقى الذي يكرمه يكسر له ضلعًا، ويسبني ويلعن أبويا ، ويقول لي تعال يا ابن (…) حتى اشتكيت إلى أمي ، فقالت لأبي: (قل للشيخ يخف على الواد شوية).

فسألها: (سيدنا بيعمل إيه؟ فقالت له: (بيعمل كذا وكذا وكذا) ، فرد أبويا عليها: (يبقى عمل بالوصية).. إذن أبويا عندما قال لسيدنا (أنا بأوصيك عليه) كانت كلمة (عليه) هذه تعني الشدة ، بما يدل على أن المربي حين حين يكون فاضلًا يقسو على من يحب ، إذن هناك فرق بين أوصيك بكذا ، وبين أوصيك على فلان ، ومعناها إياك أن تأخذك به الرأفة حين ينحرف وتقول هذا ابن حبيبي ، ولا ابن مش عارف إيه ، ولما يكون خيره أكثر ، لازم تكون الشدة أكثر.

وبقيت هذه المسألة في نفسي إلى أن كنا في الكلية ، وقال لي الشيخ يوسف نجاتي بلغة الشعر: (فقسى ليزدجروا) ، فرويت له حكايتي السابقة في كتاب سيدنا ، ولذلك فتربية المحب للمحب فيها قسوة ، ومن هنا ، كان سيدنا الشيخ عبدالرحمن عندما يحدث أي شيء من غيري كان يمكن أن يغفر له ، ولكن لا يغفره لي.

وعندما كبرت ، وأخذت الشهادة الابتدائية ، وجدت سيدنا الشيخ جالسًا في المسجد يسمعني وأنا أعظ ، وسألني: (القلم اللي خدته على صدغك عمل إيه؟)، فقلت له: (جزاك الله كل خير).

وتذكرت كلمة الفلاحين وقتها: (بارك الله فيمن بكاني وبكى علي ، ولا بارك الله فيمن أضحكني وأضحك الناس علي) وأخذناها قاعدة من هنا ، من أيام الطفولة.

حكايتي مع الشيطان
«الواقعة التي شهدتها في صغري ولا أنساها ، لأنها أطلعتني على حقيقة دور الشيطان في الحياة ، والذي يسعى بينهم بسمومه ، وهم الصالحون ، الذين لا يكف الشيطان عن المحاولة معهم ، بينما لا يقرب من الفاسدين ، لأنه يكون قد اطمأن عليهم ، ولم تعد بهم حاجة إليه.

جاءنا يومًا الشيخ عبدالعزيز ، وكان رئيسًا للوعظ في ميت غمر ، أطال الله عمره إن كان حيًا ، ورحمه الله إن كان توفاه ، ويومها كنا في مأتم ، وهذه تكون دائمًا مناسبة للاجتماع وسماع الوعظ. وتقدم منه الشيخ أحمد دحروج ، وكان مشهورًا في القرية بأنه أهل علم وليس بعالم. وأهل العلم هم الذين يجمعون كلمة من هنا وكلمة من هناك ، ولكن لا يوصف أحدهم بأنه عالم. تقدم إلى الشيخ عبدالعزيز الواعظ وقال له: (لدي سؤال).. وكان يفعل هذا كثيرًا أمام البلد لكي يظهر بأنه يسأل ، وربما يعجز المسؤول عن الإجابة.. ولما قال له الشيخ عبدالعزيز: (تفضل اسأل)، قال الشيخ أحمد دحروج: (هل تستطيع أن تفسر لي لماذا يقتل المسلمون بعضهم ويحرقون زرع بعضهم ، بينما غيرهم متقدمون وليس لديهم مشاكل؟).

وكان أن توقف الشيخ عبدالعزيز بعض الوقت حائرًا أمام السؤال ، ولكن لأن والدي كان يحب العلماء تدخل في الحديث ، وقال للشيخ دحروج: (الكلام ده نتكلم فيه معًا على المصطبة) ، لكن الشيخ عبدالعزيز ، الذي عمل له والدي تشريفة ، قال لوالدي: (طيب لو كنتم الآن على المصطبة بماذا ترد على السؤال؟).

فقال والدي: (سوف أقول له: إن الشيطان اطمأن على الفاسدين ، فهم مأواهم النار ، أما الصالحون فإن الشيطان يظل متنبهًا إليهم ، محاولًا معهم ماداموا لم يخضعوا بعد لسيطرته ، أليس الشيطان هو الذي يقول في سورة (الأعراف): (لأقعدن لهم صراطك المستقيم)، إذن الشيطان لا يأتي إلا للصالح ، أما الفاسق فالشيطان مطمئن عليه.

من هنا يكون المعنى الذي نفيده ، هو أن الإنسان يأخذ الحكمة من أي وعاء ، مادامت حكمة ، ويجب أن يعرف الإنسان أن الفطرة السليمة مشغولة بالحكمة في ذاتها ، والذي يفسد عليه هذه الحكمة الهوى ، هو الذي يلونها ، بدليل أن الإنسان عندما يقبل على شيء بدون هوى يكون الوصول إلى الحق فيه سهلًا ، لأن غرضه هو الوصول إلى الحق ، وليس غرضه المجادلة.

الفطرة السليمة والحكمة
كان في البلد رجل طيب اسمه عم منصور ، وكان عنده نصف فدان يزرعه قمحًا ، ولما انتهى الدريس ، أراد إخراج الزكاة ، رغم أنه نصف فدان فقط ، فأجلس امرأته معه ، يرمي 9 كيلات من القمح هنا، وكيلة هنا ، أي ما يوازي العُشر ، وامرأته تعطي الغلابة من هذه العُشر ، وتقول لكل من تعطيه: (اقرأ الفاتحة لأخي ، اقرأ الفاتحة لفلان) ، فجلس عم منصور غاضبًا من امرأته ، وأخذ منها قمح الزكاة ، وبدأ يعطيه للناس قائلًا: (خذ يا بني ، ربنا الأعلم هذا القمح لمن ، وهكذا يمكن أن نأخذ من الفطرة السليمة ما لا يكفيه كتاب بأكمله).
           
وأيضًا أذكر من صور الفطرة السوية التي أدركت معناها منذ الصغر أنني بعد أن أصبحت عالمًا ورأست بعثة الأزهر في الجزائر ، كنت مسافرًا إلى وهران مع محافظها الذي كان يقود السيارة بنفسه ، وقابلنا في الطريق شيخًا يقف حائرًا ، فرجع المحافظ إليه بسيارته حيث يقف ، وهممت بفتح باب السيارة الخلفي للشيخ لكنه لم يركب ، وأصر على أن يعرف أولًا الأجر الذي سوف نأخذه منه قائلًا: (على كم؟) ، ورد محافظ وهران عليه قائلًا: (لله يا شيخ) ، وهنا رد الشيخ: (غلتها غلتها) ، أي أنه مادام قد وقف له ليركبه السيارة كعمل خير لله فإن أجره من الله سوف يكون غاليًا ، وهنا نلمس بجلاء الفطرة السوية ، وهذه الواقعة فسرت لي الآية 109 من سورة (الشعراء): (وما أسالكم عليه من أجر إن إجري إلا على رب العالمين).

ذكريات الشعر من الطفولة
« وهكذا كنا كلما مرت بنا أشياء في طفولتنا نقف عندها طويلًا لنستخرج منها القضايا ، فكانت بلدنا رتنا مثلًا بين بحرين ، ونصفها يعمل بالصيد ، وكان عم عبدالعزيز خير الله أحد الصيادين ، أسود زبيبة ، دمه شربات ، لا تشبع منه ، وكان يأتي إلينا في كُتاب سيدنا الشيخ عبدالرحمن ، رحمهما الله جميعًا ، وسأله مرة سيدنا: (لماذا أتيت يا عم عبدالعزيز؟) ، فرد قائلًا: (أريد أن أسمع ولدًا من الحلوين دول لأعطيه صيد اليوم) ، وكنت أعجب كثيرًا وهو يستمع للقرآن من ولد بعد الآخر ، إلى أن يستحسن قراءة أحدنا ، فيحمل إليه في داره ما يصيده في العصر من أسماك، ويقول له: (هذا رزقك).

وهكذا نرى كيف كان الصياد الذي لا يحفظ القرآن يشجع الصغير الذي يحفظ القرآن ، وعندما عرف أنني ألقي الشعر في الحفلات ، طلب مني أن أقول فيه بيتين ، فقلت لعم عبدالعزيز الصياد:

خير الله في سمك لونه لمعة الأبنوس
من حسن تقواه أخذ مركزه في دقادوس
صياد سمك بالشبكة يرميه يقول يا رب
لا طعم فيه ولا معجون ولا سنارة
إلا ضمانك لأرزاق العباد يا رب

وبعد أن فرغت من إلقاء الأبيات ، جاءني عم متولي الحداد ، وكان اسمه على اسم والدي ، وكان صديقًا حميمًا له ، وسألني معاتبًا: (هل تقول شعرًا في عم خير الله الصياد ولا تقول شعرًا في صديق أبيك؟) ، وكان له ابن اسمه إبراهيم ، فقلت لصديق والدي الحداد:

يا أبا إبراهيم طرقتك تفرح حزين البال
الريشة في المطرقة والعود في السندال
تعمل عجب من عجينة نار
يا رب صل على داود وعلى المختار

وعندما سمع المراكبية قولي ، احتجوا قائلين: (واشمعنى احنا؟)، فقلت لخالي الشيخ أحمد: (اكتب أنت بيدك)، وقلت:

إحنا صبيان نوح
نروح مطرح ما نروح
إن سكت الريح ولا فيش تيار
برضه ما نحتار
دا إحنا جدعان
وربنا ادانا قوة أبدان

وبعد أن كبرنا ودخلنا المدرسة الابتدائية ، عرفنا أبا عبدالرحمن البياضي ، وكان فلاحًا ويعلمنا قراءة الشعر والأدب بالفصحى ، وكانت فطرته سليمة ، وعندما كان المفتشون يأتون إلى المدرسة كانوا يطلبون ابنه مصطفى البياضي ليقرأ لنا شعر شوقي ، وكان أبي يذهب إلى المحطة يوميًا وينتظر إلى أن يأتي القطار ويحضر منه الجريدة التي كانت كثيرًا ما تنشر قصائد أحمد شوقي ، ويطلب مني أن أحفظ كل قصيدة يجدها ، ويغريني بإعطائي ريالًا عن كل قصيدة أحفظها ، وقتها كان الريال في العشرينات حاجة كبيرة قوي.

من هذه القصة ، نأخذ عبرة أن الآباء كانوا زمان يشجعون أبناءهم على تحصيل الثقافة والعلوم بكل الوسائل المتاحة في ذلك التوقيت».

الهروب من الأزهر
«الحق أنني أجهدت والدي كثيرًا معي ، كنا وقتها نعيش في عز كبير ، نملك الماشية والحدائق ، وننفق عن سعة ، فسألت نفسي : (لماذا أترك هذا كله وأذهب إلى الكّتاب؟) فكنت كثيرًا ما لا أذهب إليه أصلًا ، وإذا ذهبت أسارع بالهروب منه ، وكان هذا السلوك يضايق أبي كل الضيق ، لكنه كان يصر على التحاقي بعد كّتاب سيدنا بالابتدائي الأزهري ، وفوجئت به يومًا ، قرب نهاية الأسبوع ، يقول لي: (استعد يا ولد ، ستكشف طبيًا يوم السبت).
فسألته: (طبي يعني إيه؟)
فرد: (طبي.. يعني ستكشف على عينيك وباقي جسمك).
فقلت لوالدي: (طيب).

ثم لجأت بعدها لحيلة كانت منتشرة وقتها للهروب من المدرسة ، وضعت كميات كبيرة من الشطة في عيني ودعكتهما بالطماطم ، لكي تتورم لكيلا أقبل بالأزهر ، وذهبت يوم السبت للكشف الطبي مطمئنًا ، لكنها كانت أكبر مفاجأة لي، فقد اكتشفت أنهم يقبلون حتى المكفوفين ، فندمت على ما فعلت وقلت لنفسي: (يا واد كنت حتخسر عينيك ، وبرضه حتدخل الأزهر).
وعندما عدت للبيت ، قال لي والدي: (السبت القادم سوف تمتحن في القرآن).
ويومها ، جلست في لجنة رئيسها سيدنا الشيخ موسى ، كان يطلب مني أن أقرأ ، وأنا ألخبط لكيلا أقبل ، فسألني سيدنا: (أنت ابن متولي؟).
فقلت له: (نعم).
فسألني: (والدك معك أم غير موجود؟)
فقلت له: (معي بالخارج) ، فنادى سيدنا عليه ، وجاء والدي ، ووقف على رأسي في اللجنة ، وسأل أبي سيدنا: (الواد ده عامل إيه؟).
ورد سيدنا: (الواد مكار ، حافظ لكن عامل أنه مش حافظ ، اسأله إنت).
فالتفت إلي والدي وقال لي: (والله يا ابن الـ**** ولو كنت مش حافظ حدخلك الأزهر برضه).
وفعلًا دخلت الابتدائي الأزهري».

كيف تعرّض عمرك
نصيحتي للشباب أن يحرصوا دائماً على الإفادة من تجارب من هم أكبر منهم سناً ، من خلال صداقتهم التي يعرّض بها الشباب من أعمارهم ، لأن العمر لا يملكه أحد طولاً ولا قصراً .. هذا لله وحده ..وإنما يستطيع الإنسان أن يعرّضه .. وربما يكون عرضه أكبر من طوله .. وتعريض العمر يكون بتطبيق تجارب الآخرين .. وأيضاً يمكن أن يوسع عمره بأن ينشر على مدى واسع علاقاته مع الآخرين .. وهناك بعد ثالث للعمر .. بأن تعطيه عمقاً .فبعد أن كان مسطحاً يصبح له حجم .. بمعنى أن يترك العمر بعد أن ينتهي دروساً للآخرين.

أموال الربا لا تفيد
يقول الشيخ الشعراوي انه في بدء العام الدراسي الجديد وكالعادة طلب من والده "قفطانين وكاكولتين وحذاءين وعماميتين وشنطة" فاستجاب الوالد رغم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلد بصفة عامة ، وأمام إصرار الشعراوي استجاب الوالد واشترى للأبن ما يريد ، وأعطاه عشرة جنيهات.
وفي هذا العام مرض الشعراوي لمدة ستة أشهر ولم يستطع دخول الامتحان.
فقال لوالده : لابد أن أدخل الدور الثاني .. وفوجئ به يقول له : لا تزعل .. أنا عارف أنها مش نافعة .. وعرف بعدها .. ان والده أخذ النقود التي اشترى بها لوازم الدراسة بالربا.

الشعراوي مع احمد شوقي
يقول الشيخ الشعراوي : "كنت في سن الشباب .. وجئنا إلى القاهرة ،وكان الشيخ مصطفى – يقصد مصطفى البياضي – يعرف شخصياً يعلم دائماً بالمكان الذي يوجد فيه شوقي .. وقال لنا إنه موجود في عش البلبل عند الهرم .. واصطحبنا إليه .. وقال لشوقي : هؤلاء شبان من أشد المعجبين بك ، ويحفظون شعرك كله ،ويأملون فقط في رؤيتك.
فسألني شوقي : ما الذي تحفظه عني ؟ فعددت له قصائد عديدة .
فسألني : ومن الذي دفعك إلى هذا ؟
فقلت له : إن والدي كان يمنحني ريالاً عن كل قصيدة أحفظها لك .
فابتسم وقال لي : مرحباً بك
وقلت له : إن لنا عتاباً عليك .
فسألني : فيم العتاب ؟ .
فقلت له : ماهي حكاية رمضان ولى وهاتها ياساقي ؟.
فقال : اتحفظون القرآن ؟
فقلنا : بالطبع نحفظه .
فقال : ألآ تعرفون الآية التي تقول : (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ*وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ) (الشعراء 225 :226) .
وكان رداً أفحمنا.. وبعدها بستة أشهر مات شوقي رحمه الله .

هذه مقطتفات من ذكريات «الشيخ الشعراوي» ، والتي نشرت في كتاب يحمل اسم «مذكرات إمام الدعاة» والصادر عن «دار الشروق» وكتبه محمد زايد نقلًا عن روايات الشعراوي نفسها بكلماته ومفرداته ، ونشر الكتاب لأول مرة في 27 يونيو عام 1998.


ليست هناك تعليقات: