الأحد، 20 نوفمبر 2016

مفهوم النسخ فى القرآن - الغزالي

مفهوم النسخ فى القرآن
فى الحقيقة ، الاتجاه بين جميع العلماء المحدثين الذين التقيت بهم أو استمعت إليهم أو قرأت لهم ، كانوا ضد المعنى الذى شاع بين المتأخرين من المفسرين من أن النسخ بمعنى إبطال آيات فى القرآن ، موجود.

وجدت أن الشيخ الفقيه المؤرخ الأستاذ الخضرى ، رفض النسخ رفضا باتا ، وقال: لا يكون إلا تخصيص عام ، أو تقييد مطلق أو تفصيل مجمل.
والشيخ رشيد رضا فعل هذا بما هو أوضح وتكلم عن آية: “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا” فبين أن الآيات: تكليفية وتكوينية ، وأن الذى تنسخه آية سورة البقرة هنا هو الآيات التكوينية ، وليست هناك آيات تكليفية نسخت بهذه الآية ، ومعنى التكوينية معروف وهو خوارق العادات التى كان يؤيد بها الأنبياء ، وهى التى تتغير بتغير الأزمنة.


أما الآيات التكليفية فأنا نظرت إليها نظرة واقعية عند قوله تعالى: “وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” قال الخازن : إن هذه الآية جاءت ردا على أسئلة بأن محمدا يقرر حكما ثم ينسخه!
فتساءلت: هذه الآية من سورة النحل المكية ، أين هى الأحكام التى تندر المشركون بها لأنها نسخت بعد أن نزلت وحدث اضطراب فى تقرير الأحكام بسبب ذلك؟..
لا يوجد.. وهذا الكلام عن سبب نزول الآية مختلق ، ولم يوجد أحد من المشركين قال: إن محمدا يقرر حكما شرعيا ثم ينسخه.. ما وجد.. لأنه ما وجد حكم فى مكة نسخ بآية مكية.

لم يعرف فى تاريخ النزول ولا فى تاريخ التشريع أن حكما نزل فى مكة ثم نزل فى مكة نفسها حكم ناسخ له ، القرآن لم يعرف ذلك.. فإذاً ، الكلام باطل ، ولا توجد أحكام بطل معناها.. وكل ما هنالك أن هناك عدة آيات نظر فيها ، وكان النظر قاصرا مثل قوله تعالى: “الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ”. فالآيات الأولى تأمر بوقوف الواحد لعشرة ، ثم نسخت بأن يقف لاثنين.. والشيخ الخضرى رحمه الله قال: إن هذه رخصة مع عزيمة ، والرخصة مع العزيمة ليست نسخا. الحكم الدائم الباقى: أن يقف المسلم لعشرة.. وهو أهل لهذا ، أما التخفيف فى أن يقف لاثنين هذه رخصة ، وهذا هو الحكم الصحيح.

وأما آية : "إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ“ التى قيل إنها نسخت أول سورة المزمل ، فهذا غير صحيح ، لأن سورة المزمل موجهة إلى النبى عليه الصلاة والسلام تفرض عليه أن يقوم الليل ، وقد ظل قيام الليل فريضة عليه إلي أن مات.. وتكرر الأمر فى سورة الإسراء: “وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا”.

المهم ، أن عددا من الصحابة قلد النبى عليه الصلاة والسلام فى قيام الليل بالصورة التى رسمت فى أول سورة المزمل ، ولكن الله يعلم طبيعة الجماهير التى تكدح فى النهار فى عملها ، وليست مكلفة برسالة كصاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام ، ولذلك قال: "فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ“ أما صاحب الرسالة ، فالأمر بالنسبة إليه كما هو ، فلا نسخ فى الآية إطلاقا.

والزعم بأن 120 آية من آيات الدعوة نسخت بآية السيف ، هو حماقة غريبة دلت على أن الجماهير المسلمة فى أيام التخلف العقلى أو العلمى فى حضارتنا جهلوا القرآن ، ونسوا بهذا الجهل كيف يدعون إلى الله وكيف يحركون الدعوة وكيف يضعون نماذج حسنة للعرض الحسن.

ولعل هذا من أسباب فشل الدعوة الإسلامية ووقوف هذه الدعوة فى أيام كثيرة عن أداء رسالتها ، ظن أن السيف هو الذى يؤدى واجب التبليغ! وهذا باطل باتفاق العقلاء.

فقصة النسخ ، أو الحكم بتحنيط بعض الآيات ، فهى موجودة ولكن لا تعمل ، هذا باطل ، وليس فى القرآن أبداً آية يمكن أن يقال إنها عطلت عن العمل ، وحكم عليها بالموت.. هذا باطل.

كل آية يمكن أن تعمل ، لكن الحكيم هو الذى يعرف الظروف التى يمكن أن تعمل فيها الآية ، وبذلك توزع آيات القرآن على أحوال البشر بالحكمة والموعظة الحسنة.

بالنسبة لسياق آية : “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ألا يفيد السياق بأن القضية قضية نسخ شرائع سابقة بشريعة جديدة؟
السياق قاطع بأنه لا مكان للقول بالنسخ التكليفى هنا ، والشيخ رشيد ذكر هذا الموضوع.

فالكلام في آية: “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” هو كلام عن القدرة وليس عن أحكام تكلفية وإلا قال: “ألم تعلم بأن الله عليم حكيم “ مثلا بدل “قَدِيرٌ” وقوله تعالى: “أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ“ قاطع فى أنه اقتراح آيات كونية. فما الذى سئله موسى من قبل؟ نريد أن نرى الله جهرة ، نريد كذا وكذا ، فهؤلاء يريدون آيات كونية أو خوارق عادات تثبت البرهنة على رسالة محمد عليه الصلاة والسلام ، أما السياق من قبل فهو كلام فى بنى إسرائيل.

يقول تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ".
بدأ الحديث إليهم بأنهم هم غير مؤمنين بما لديهم ولا بما لدى غيرهم ، إلى أن قال جل شأنه “مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”. فالكلام هنا واضح فى أن القرآن الكريم حين نزل ، رحم الله به العرب وخصهم بفضله ، وأعطاهم رسالة جديدة غير الكلام السابق الذى كان الأنبياء الأولون يتلقونه من الله ويؤيدهم فيه رفع الطور أحيانا وما كان يتم من معجزات.

نزول القرآن ، إلى جانب نسخ الآيات الكونية ، هو نسخ لبعض شرائع أهل الكتاب ، القرآن نسخ بعض الشرائع القديمة من غير شك ، وبدأ يشكل النفس البشرية من جديد ، على طريقته فى إيقاظ مواهبها وقيادتها إلى الله.
ليس فى القرآن تناقض إطلاقا فكل آية لها سياقها الذى تعمل فيه.

الشيخ محمد الغزالي
كتاب كيف نتعامل مع القرآن

ليست هناك تعليقات: