الجمعة، 14 يوليو 2017

نيل تيسون ومفاتيح الغزالي

نيل تيسون ومفاتيح الغزالي
وصلني مقطع فيديو من صديق وجدت فيه جزء من محاضرة لعالم الفيزياء الفلكية الشهير "نيل تيسون" Neil deGrasse Tyson يذكر فيه ان الكثير من اسماء النجوم عربية وأرجع ذلك لفترة ازدهار العلوم في العالم الإسلامي ما بين عام ٨٠٠  وعام ١١٠٠

ثم انتقل لتبرير انهيار الحضارة الاسلامية بعد ذلك ببعض كتابات "أبو حامد الغزالي" ، حيث ادعى ان الغزالي قد قال "إن الرياضيات من عمل الشيطان" وبذلك توقف التقدم العلمي وترك المسلمون العلوم وتخلفوا عن باقي البشرية.

ولم ينس تيسون أن يذكرنا بأن اليهود قد حصلوا على ربع جوائز نوبل فيما لم يحصل المسلمون سوى على جائزتين.


تداول المقطع كثيرا بين المسلمين حيث اشعرهم بالفخر واعتبروا أن هذا الكلام فيه انصاف للمسلمين لمساهماتهم في التقدم العلمي قديما. 

تعجبت كثيرا لهذا المقطع ،  لانه صادر من عالم فيزياء من المفروض أن يكون موضوعيا ...

فأولا لم يصدر عن الغزالي هذا الكلام ، وأقول هذا لأنني قرأت كل كتبه المنشورة.
بل إن له مقولة تنفي تماما هذا الكلام اذ  قال "ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار العلوم الرياضية وأمثالها من البرهانيات ، إذ ليس في الشرائع تعرض لهذه العلوم ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية".
كما قال " ان الدين اذا كان ينبغي أن ينصر بإنكار مثل قولهم في  الكسوف والخسوف وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع ، كان الدين اذا مبنيا على الجهل وإنكار البرهان القاطع وهو مما لا يشتبه في فساده". (من كتاب معيار العلم طبعة ١٩٢٧ المطبعة العربية بمصر)

ثانيا لو فرضنا جدلا بصحة هذا الإدعاء فهل من المعقول أن جملة أو كتاب تسببوا في انهيار حضارة كبيرة ، خاصة وأن الكتب كانت وقتها عبارة عن مخطوطات ومحدودة التوزيع بين طلاب العلم؟

ثالثا ماهي علاقة هذا الموضوع بتفوق اليهود العلمي وحصوله على ربع جوائز نوبل رغم أن أعدادهم لا يتعدى ١٥ مليون ؟

زاد عجبي عندما اكتشفت ان " نيل تيسون" كرر هذا الكلام في محاضرات عديدة في أكثر من مكان وفي اكثر من مناسبة !!
فما أهمية الغزالي الذي غادر منذ ألف سنة بالنسبة لعالم فيزياء غربي حديث لا يخفي الحاده؟ سؤال يحتاج للتأمل والتفكير الجاد !

الحقيقة التي قد لا يعلمها الكثير ، أن الغزالي لم يكن سببا في انهيار الحضارة الاسلامية ، ولكن الغزالي لديه المفاتيح لعودة هذه الحضارة !!
قد يبدو هذا الكلام فيه مبالغة ولكن من يقرأ كتب الإمام أبو حامد الغزالي يعرف معنى الكلام.

من يقرأ كتب الغزالي يعلم بأن الرجل جمع بين صفات قلما تجتمع في شخص واحد ، فهو فيلسوف إسلامي ، والفلسفة في هذا العصر كانت تعني العلوم كلها من رياضيات وفلك وطبيعيات ومنطق والهيات وغيرها من العلوم المعروفة وقتها. وهو في نفس الوقت عالم فقه وعالم صوفي. 

هاجم الغزالي التعصب والتمذهب والتقليد ، ووضح في كتبه أسلوب التفكير المنطقي وكيفية الوصول للحقائق مما يمكن أن يكون وسيلة البحث العلمي المنطقي ، وطريق التخلص من التفكير الخرافي الفوضوي الخالي من المنطق الذي عانينا منه كثيرا.
وهذا يستلزم عدة مقالات لمعرفة التفاصيل ، ساكتبها إن شاء الله تعالى إن كان في العمر بقية.

مجدي العريان




ليست هناك تعليقات: