الثلاثاء، 15 مايو 2018

حقيقة الصيام

حقيقة الصيام
للشيخ محمد راتب النابلسي
لا ينبغي للمؤمن أن يكون كالناقة التي عقلت لا تدري لم عقلت ، ولا تدري لم أطلقت ، لا يدري لم صام ولا يدري لم أفطر.

إن العبادات ومنها الصيام لها غايات كبرى وحكم عظمى فإن لم نبلغها فلا أقل من أن نعرفها حتى نسير نحوها وفي طريقها.
فإذا ما خلت العبادات من هذه الغايات ، انقلبت إلى طقوس ووثنيات ، وقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من الجمود و العبوديات.



لنعرف الحكمة من الصيام يجب أن نرجع إلى كتاب الله فننظر في حكمة الصيام وغايته كما جاءت فيه وها نحن أولاء نستمع إليه وهو يقول : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " [البقرة: 83 ]
إذا من أجل التقوى والتقوى ما هي ؟ أهي الطاعة كما يقول بعضهم ؟ لقد وردت آيات التقوى في القرآن الكريم أكثر من مائتين وخمسين مرة ، فلم كل هذا التركيز عليها ؟
 التقوى هي الوقاية من مخاطر الحياة المتمثلة بالمغريات والشهوات ، فالتقوى لغةً من ( وقى ) والوقاية لا تكون إلا من الخطر والحياة محفوفة بالمخاطر , فهي خضرة نضرة سمها في دسمها فيها منزلقات ومتاهات ، مالها يغري ويشقي ، والأهل والولد ركون واستغناء ، وشهواتها مستعرة في أبهى حللها ، وفتنها يقظة في أجمل أثوابها ، وزخارفها وزينتها في أوج اتقانه .
فكيف يتقي الإنسان الانجذاب إلى هذه المغريات ؟
وكيف ينجو من خطر الانغماس في تلك الشهوات ؟
وكيف يترفع عن المزاحمة في جمع الثروات ؟
وكيف يصمد أمام إغراء النساء الفاسقات ؟
وكيف يرى كسبه حرام هو أم حلال ؟
وكيف يرى إنفاقه أفي طاعة الله أم في معصيته ؟


قد يقول أحدهم ليس ينجينا منها إذا إلا أن نأوي إلى صومعة في جبل شاهق فنتقي بها هذه المغريات والفتن.
ونقول له إن الإسلام دين متوازن لا يقر الانزواء عن الناس ولا التقوقع على الذات ولا الهروب في الملمات ، ولا يقر المواقف السلبية , ولا التواكل البغيض ، ولا العجز الكسول.
هذه المغريات والفتن لا تتقى بالهروب منها ، ولا بالقفز عليها.
هذه المغريات والفتن لا تتقى إلا بمواجهتها بنور ساطع كشاف يظهر حقيقتها ونتائجها لابد من نور ساطع كشاف يظهر حقيقة هذه المغريات ونتائج الانغماس في الشهوات ونهاية جمع المال والثروات ، وكيف تكون حياة من أغواه الشيطان بحبائله ، وكيف يكون الكسب الحلال والإنفاق الصحيح ، وما جدوى المباغتة في الزخرفة والتزيين .
هذا النور ليس كنور الشمس يكشف لك ظواهر الأشياء وصورها ولكنه نور رباني ينفذ إلى بواطنها فيكشف لك حقيقتها ونتائجها ومؤداها وخيرها من شرها وحقها من باطلها وصحيحها من زائفها.

هناك البصر والبصيرة ، فبنور الشمس تبصر فترى ظواهر الأشياء وبنور الله تتفتح بصيرتك فترى حقائقها , ونتائجها فتقبل على الخير , وتتقي الوقوع في الشر ، وهذه هي حقيقة التقوى التي شرع الصيام من أجلها :
﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾ [طه : 124-126]
أي كذلك كنت أعمى في الدنيا . وقال الإمام الغزالي : التقوى نور يقذفه الله في القلب.
لذلك كان نبينا الكريم يدعوا فيقول : (( اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ))

والآن إلى القرآن الكريم لنر ما يؤيد هذه الحقائق أو لترو أن هذه الحقائق مستقاة من آياته البينات ، قال تعالى :
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النور: 35]
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257]
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ﴾ [الرعد: 16]
﴿ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ [النور: 40]
﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 122]
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾[ الحديد: 28]
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]


 فالصيام في ضوء القرآن الكريم فرصة سنوية لإخراج الإنسان من الظُّلُمَات إلى النُّور من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات من ظلمات الشهوات إلى نور القربات من السير المضني وراء المال والثروات إلى نعيم التقلب في رحمة الأرض والسماوات ، من الأثرة إلى المؤاثرة ، من المصلحة إلى المبدأ ، من الشهوة إلى العقل ، من دنس المادة إلى طهر الروح ، من شقاء الحياة إلى نعيمها.
والصيام فرصة سنوية لإخراج المؤمن من مرتبة العباد الطائعين إلى مرتبة العلماء المستنيرين ، وشتان بين المرتبتين.
إنكم لن تبلغوا درجة التقوى و الإستنارة بنور الله إلا إذا اتصلتم به ، واستعذتم به واعتصمتم بحبله ، ولن يكون ذلك إلا بالاستقامة على أمره والعمل الصالح من أجله , ورمضان فرصة ذهبية لهذه الصلة.


ومن أجل أن يكون صومكم طريقاً إلى التقوى يجب أن يكون صحيحاً و لا يصح بترك الطعام والشراب فحسب , لأن ترك الطعام والشراب فقط ليس بشيءً ، فالصيام الصحيح هو صيام الجوارح عن المعاصي والشبهات وتتبع العورات فلا تجعلوا صيامكم جوعاً وعطشاً ، ولا تجعلوا قيامكم تعباً وسهراً ، لا تجعلوا صيامكم عادةً من عوائدكم تؤدونها كل عام وأنتم ساهون لاهون ، لا تجعلوا صيامكم بعيداً عن أقوالكم وأفعالكم ، لا تجعلوا صيامكم حسرةً في قلوبكم يوم جمعكم.

لتصم أفواهكم عن الطعام والشراب ، ولتصم سائر جوارحكم عن المعاصي والشبهات.
صونوا أعينكم عن النظر إلى المحرمات وتتبع العورات.
صونوا ألسنتكم عن لغو الحديث , وعن الغيبة والنميمة والبهتان.
صونوا آذانكم عن الاستماع إلى الملهيات.
صونوا أيديكم عن البطش والأذى.
صونوا أرجلكم عن السير إلى بؤر الشيطان.
صونوا قلوبكم عن كل خاطر تستحيون من الجهر به.

إذا صمتم هكذا كانت الصلوات الخمس ولاسيما صلاة التراويح مائدة ربانية إليها تجلسون ومن شهدها وثمارها تأكلون.

الشيخ محمد راتب النابلسي
دمشق 13 / 9 / 1974



ليست هناك تعليقات: