الثلاثاء، 17 يوليو 2018

أعداء الثورة وفلول الرجعية

أعداء الثورة وفلول الرجعية
(مجرد انطباعات شخصية لما عشته ورأيته بنفسي)
في أوائل الستينات كنت تلميذا في المدرسة الابتدائية حيث كان يتم تلقيني بمبادئ الثورة التي أنقذت الشعب المصري من ظلمات الماضي البغيض .... ولم يكن هناك أي تغذية بديلة أو مخالفة لتلك الأفكار لأن الكبار كانوا اما يرددون نفس الأفكار أو أنهم صامتون لا يجرأون على البوح بأفكارهم أو التعبير عن اعتراضهم.

لا أنسى اليوم الذي اشتريت فيه جريدة الأهرام لأول مرة في حياتي وكنت في الصف الرابع الابتدائي وبدأت في قراءة العناوين وأتأمل في اعجاب صور عبد الناصر التي كانت تملأ الصحيفة.


لقد كانت عمليات التغذية مستمرة 24 ساعة ففي المدرسة ندرس الانجازات وفي الصحف والمجلات نرى الانجازات ونفتح التليفزيون فنتابع الانجازات ويدعم كل ذلك أغاني وطنية تهز المشاعر وتثير الهمم.

لم يكن هناك وقتها أي وسيلة أخرى للحصول على معلومات مخالفة أو حقائق متعارضة مع ما يبث ليلا نهارا فحتى الاذاعات الأجنبية كأذاعة لندن كان يتم التشويش عليها وتُسمع بصعوبة شديدة من خلال بعض أجهزة الراديو الغالية الثمن.

ولا أنسى اليوم الذي سمعت فيه والدي رحمه الله يتكلم مع بعض أصدقائه بهمس في النادي ، ولم ينتبهوا لوجودي وكانوا ينتقدون فيه عبد الناصر فأصابني غضب شديد ، ووقفت على الكرسي وأخذت اخطب فيهم بكلمات من عينة "أعداء الثورة" و "فلول الرجعية" ، ولم يوقفني الا والدي يسحبني من يدي بعيدا ثم يوصلني للمنزل دون أن يفتح الموضوع مرة أخرى.
وبعد ان كبرت ، ظل والدي يذكّرني بهذه القصة كلما أختلفت معه على موضوع أو في رأي ، فأضطر لتذكيره بأنني كنت في الصف الرابع الابتدائي وقتها ، وأذكّره أيضا بأنه لم يعترض على كلامي وقتها.

وبمرور الوقت أستطعت متابعة الأخبار بشكل أكبر وأقرأ عن الانجازات المهولة والبطولات الغير مسبوقة واستطاعت الآلة الاعلامية الدعائية أن ترسخ في ذهني الكثير من الأفكار ومن أهمها:
-  اننا نعيش في أقوى دولة واهم دولة
-  المرحلة التي سبقت 1952 ظلام في ظلام
-  اسرائيل ما هي الا عبارة عن مجموعة من العصابات الصهيونية وموضوع القضاء عليها مسألة وقت فقط.

أعتقد أن ذلك يبدو غريبا أن يهتم طفل بهذا السن بالشئون العامة ويتأثر بها هذا التأثر ، الا أن الكثير من أطفال هذه المرحلة كانوا مهتمون بالشئون العامة ، كما أن طبيعتي التي ولدت بها هي أخذ الأمور كلها بجدية وذلك ما سبب لي أكبر المشاكل في حياتي.
          
تابعت الأخبار المبهرة بدءا من العروض العسكرية التي تستعرض الصواريخ التي يمكن أن تدمر تل أبيب ومرورا بالطائرات التي تصنعها "الجمهورية العربية المتحدة" ووصولا لتصنيع أول سفينة فضائية مصرية !!! نعم ... سفينة فضاء (أنظر عدد المصور الصادر بتاريخ 16 إبريل 1965)
أما الحالة الاقتصادية فالنجاح الذي نحققه كل يوم والمصانع الجديدة ستجعلنا من الدول العظمى وسننتج احتياجاتنا من الابرة الى الصاروخ. أيضا الاكتشافات البترولية الجديدة ستجعلنا أغني من كل الدول البترولية الأخرى.

استمر هذا الوضع حتى بدأت طبول الحرب تدق فقد تم اغلاق خليج العقبة امام السفن الاسرائيلية (وكانت هذه أول مرة يعرف فيها الشعب المصري انه تم الاتفاق على السماح للسفن الاسرائيلية بالابحار في خليج العقبة كشرط لانسحاب اسرائيل من سيناء عام 1956) وبذلك اعتبرت اسرائيل أن ذلك مخالف لما تم الاتفاق عليه سابقا وبالتالي فهو اعلان للحرب.

عموما كان الناس سعداء بقرب نشوب الحرب التي انتظروها كثيرا لتحرير فلسطين والقاء اليهود في البحر كما وُعدوا ، وكان الحماس يدب في النفوس وتملأهم الثقة التامة بالنصر الساحق.

وفي صباح 5 يونيه 1967 تم الاعلان عن قيام الحرب وبدأت الأخبار السارة تتوالى باسقاط الطائرات وتدمير الدبابات وجيوشنا التي تزحف نحو تل ابيب وشعرت وقتها وشعر معي الكثير انه جاء الوقت الذي نستطيع أن نقطف ثمار العمل والجهد وتتحقق الأمنيات التي رددناها في الصحف والمجلات والتليفزيون والأغاني الوطنية.

لم يقطع هذا الشعور بالزهو الا خروج عبد الناصر ببيان التنحي الشهير وقال أنه مستعد لتحمل المسئولية (لم يقل انه مسئول) ويالطبع غضب الناس ورفضوا التنحي وثاروا وطالبوا بالاستمرار بالقتال وحتى النصر.

من عاش تلك الفترة يدرك أنه حتى هذه اللحظة لم يكن أحد في مصر يعرف ما حدث بالضبط وما هي حجم الكارثة التي أصابتنا فرغم ان الدعاية الاعلامية بدأت تخفض صوتها قليلا كما بدأت تتكلم عن تدخل أمريكي وبريطاني لصالح العدو الا أن أشد المتشائمين لم يكن ليتخيل حجم الكارثة.

#أقلب_في_أوراقي_القديمة

جزء من "حرب أكتوبر المعجزة والغيبوبة"






ليست هناك تعليقات: