الاثنين، 12 نوفمبر 2018

الطباع الرديئة - الغزالي

الطباع الرديئة - الغزالي
جاءت في القرآن الكريم آيات كثيرة تقرر الطباع الرديئة التي ينبغي الخلاص منها.
فالإنسان “أنانى” يحب نفسه وحسب ٬ وقد تكون محبة النفس أصلا فى استبقاء الحياة ٬ ولكن هذه المحبة تتحول إلى مرض خطير يورث الشره والطمع والبغي واجتياح الحقوق بنزق.
وقد ذكر القرآن أن هذه الأثرة لا يطفئها الغنى مهما اتسع: “قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا”.


والإنسان نساء أو غافل ٬ وقد يكون هذا أو ذاك أصلا فى استبقاء الحياة ٬ فلو استصحب المرء حزنه إلى الأبد على ما فقد ما صلحت الدنيا ، ولكن هذا الذهول قد يكون جرثومة الكنود ونكران الجميل ونسيان الرب وما أولى: "وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا" ، “ إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ ”.

والإنسان الذى يحلو له أحيانا أن يفخر ويتطاول ٬ وينظر إلى السماء بقلة اكتراث ٬ تذله علة فى أى مكان فى جسمه أو تذله غلطة فى أى وقت من تفكيره مهما كان عبقريا. “يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا”.

والإنسان محتال كبير فى الدفاع عن نفسه ٬ والتماس الأعذار لأخطائه وعد ما يقع منه وجهة نظر مقبولة أو مغفورة. “وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا”.

وهذه الطبائع جميعا مزالق لمن يسترسل معها ٬ وقد نبه القرآن الكريم إلى أمراض شتى تعتري النفس ٬ فالإنسان قد يبطر على الغنى ٬ ويطغى مع السلطة ٬ ويقنط مع الفشل ٬ وقد يستحلى من شهوات النساء والرياء والاستعلاء ما يحيله إلى عبد لنفسه وهواه. ولكن الفكاك من هذه الآثام كلها ميسور ٬ فإن القرآن الكريم لما خوف عواقب هذه الانحرافات الإنسانية ذكر أسباب النجاة منها: “وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر”.

وما أجملته سورة العصر من وصف للداء والدواء فصلته سور أخرى ، نختار منها سورة المعارج التى أسندت للإنسان هذه الخلال: “إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا”.

لكن الإنسان يبرأ من هذه العلل إذا قام بجملة العبادات المفروضة.
ونتساءل: هل هذه العبادات “مصل” واق أم شفاء من أمراض توجد وتتجدد؟
قد يكون هذا أو ذاك. ولنتدبر أولا الاستثناء الذي تضمنته السورة الكريمة: “إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ

لا شك أن هذه العبادات مجتمعة تنشى إنسانا كاملا شريطة أن تؤدى أداء حقيقيا لا أداء تمثيليا.

#من كتاب علل وأدوية - الشيخ محمد الغزالي


ليست هناك تعليقات: